صديق الحسيني القنوجي البخاري

88

فتح البيان في مقاصد القرآن

والفاء في فإنه داخلة لتضمن الاسم معنى الشرط ، قال الزجاج : لا يقال إن زيدا فمنطلق ، وههنا قال : فإنه ملاقيكم لما في معنى الذي من الشرط والجزاء ، أي إن فررتم منه فإنه ملاقيكم ، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه ، وقيل : إنها مزيدة محضة لا للتضمن المذكور ، وقيل : إن الكلام قد تم عند قوله : تَفِرُّونَ مِنْهُ ثم ابتدأ فقال : فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ، ولما كان المقام في البرزخ أمرا مهولا لا بد منه نبه عليه وعلى طوله ، بأداة التراخي فقال : ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ السر وَالشَّهادَةِ العلانية وذلك يوم القيامة فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الأعمال القبيحة ويجازيكم عليها ، وفيه وعيد وتهديد . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ أي وقع النداء لها ، والمراد به الأذان إذا جلس الخطيب على المنبر يوم الجمعة ، لأنه لم يكن على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نداء سواه ، ثم كان أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة على ذلك حتى كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذانا آخر ، فأمر بالتأذين أولا على داره التي تسمى الزوراء ، فإذا سمعوا أقبلوا حتى إذا جلس على المنبر أذن المؤذن ثانيا ، ولم يخالفه أحد في ذلك الوقت . لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي » « 1 » . مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بيان لإذا وتفسير لها قاله الزمخشري ، وقال أبو البقاء إن من بمعنى في كما في قوله : أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ [ فاطر : 40 ] أي في الأرض وجمع الكواشي بينهما ، وقرأ الجمهور الجمعة بضم الميم وقرىء بإسكانها تخفيفا ، وهما لغتان ، وجمعها جمع وجمعات قال الفراء : يقال الجمعة بسكون الميم وبفتحها وبضمها ، وهي صفة لليوم ، أي يوم يجمع الناس وقال الفراء أيضا وأبو عبيدة : التخفيف أخف وأقيس ، نحو غرفة وغرف ؛ وطرفة وطرف ، وحجره وحجر وفتح الميم لغة عقيل ، وقيل : إنما سميت جمعة لأن اللّه سبحانه جمع فيها خلق آدم ، وقيل : لأن اللّه تعالى فرغ فيها من خلق كل شيء ، فاجتمعت فيها جميع المخلوقات وقيل : لاجتماع الناس فيها للصلاة . وعن أبي هريرة قال : « قلت : يا رسول اللّه لأي شيء سمي يوم الجمعة ؟ قال لأن فيه جمعت طينة أبيكم آدم ، وفيه الصعقة والبعثة ، وفي آخره ثلاث ساعات منها ساعة من دعا اللّه فيها بدعوة استجاب له » « 2 » ، أخرجه سعيد بن منصور ، وابن مردويه . وعن سلمان قال : « قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أتدري ما يوم الجمعة ؟ قلت : اللّه

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 5 ، والترمذي في العلم باب 16 ، وابن ماجة في المقدمة باب 6 ، والدارمي في المقدمة باب 16 ، وأحمد في المسند 4 / 126 ، 127 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 311 .