صديق الحسيني القنوجي البخاري
74
فتح البيان في مقاصد القرآن
والفساد ، أو ما هو من جهة تغير أحوال الخلق وانتقالهم من العيافة إلى السذاجة ، وذلك لأن المطر يمنع الرجل من الخروج من كنه ، وظهر الزهر على الربى ، ترغيب له في الإتيان ، وبيان نهي القوم لقبول دعوته ، وقرب زمان الترنم ، تأكيد لقوله : ظهر الزهر الخ ، وفيه إشارة إلى بيان رغبة الناس في تلاوة المصحف ، وذلك مما لم يتفق لأحد من الأنبياء ، فإني لم أر أمة من الأمم يتعاطون حفظ ناموسهم على الخاطر كما يفعل المسلمون من حفظ القرآن ، وقد سمع صوت اليمامة في أرضنا الخ ، هذا كله ماض بمعنى المستقبل الضروري الوقوع ، فقم يا محبوبي وجميلي وتعال . هذا كله ظاهر الدلالة على الطلب ، فإن قلت : يمكن أن لا يكون مطلب سليمان من هذا التنبىء محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، قلت : فحينئذ إما أن يكون كلامه يخص نبيا آخر أو معشوقا مجازيا أو يكون مهملا ، ولا سبيل إلى كل واحد منها أما إلى الشق الأخير فلأنه كلام اللّه أو كلام النبي ، والإهمال ممتنع عليهما أما على الأول فظاهر ، وأما على الثاني فلأن النبي رجل يختصه اللّه بتبليغ كلامه من بين أهل عصره ، فيجب أن يكون عاقلا ، والعاقل لا يتكلم بالمهمل ، وإلا فإذا حصل الشك في صحة بعض أنبائه يفسد اليقين بها في الكل ، ولأن أكثر القوم ذهبوا إلى عصمة الأنبياء مما هو يخل بالعصمة ، وأما أنه لا سبيل إلى كونه معشوقا مجازيا ، فلأنه لا يجوز للنبي أن يدخل سائر كلامه في الوحي ، وإن فعله فقد عصى ، ولأنه إما أن يكون ذكرا أو أنثى وعلى كلا الوجهين يلزم منه تفسيق النبي وهو باطل . وأما أنه لا سبيل إلى كونه نبيا آخر فلوجوه : الأول أن النصوص المشتبهة قد أخذها القوم من اليهود والنصارى ، ولم يبق إلا ما شبهة فيه . والثاني : أنه لم يتنبأ إلا على اثنين فقط ، وهما يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم ، والمثال لا يصدق على كل واحد منهما ، لأن صفاته لا توجد فيهما ، فلا يكون إلا محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، جعلني اللّه وإياك ممن يقتص آثاره ، ويتمسك بأخباره . وفي سفر الرؤيا ما ترجمته : من كانت له أذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس ، إني سأطعم المظفر من شجرة الحياة التي هي في جنة اللّه ، وفيه : من كانت له أذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس ، فإن المظفر لا تظهره الموتة الثانية اه . وفيه أيضا : من كانت له أذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس إني سأطعم المظفر من المن المكنون ، وأعطيه حجرة بيضاء مكتوبا عليها اسم مرتجل لا يفهمه إلا من يناله ، وفيه أيضا : وسأعطي المظفر الذي يحفظ جميع أفعالي سلطانا على الأمم فيرعاهم بقضيب من حديد ويستحقهم كآنية الفخار كما أخذت أنا من أبي وأعطيه أيضا