صديق الحسيني القنوجي البخاري
70
فتح البيان في مقاصد القرآن
وهذا لا دلالة فيه على عيسى عليه السلام ، لأن أول صفاته رب الجنود ولم يكن المسيح كذلك ، والصفة الثانية كونه حجرة عثرة ولا تقل إنهم قد عثروا بالمسيح أي شكوا فيه لأن مطلق الشك لا يكفي في صدقه عليه لقوله : يعثرون ويسقطون الخ والصفة الثالثة كونه يغطي وجهه عن إسرائيل وابن مريم كان مختصا بدعوتهم ، كما صرح به في متى ، فلا يصدق عليه ، والصفة الرابعة كونه ناسخا لما قبله من الشرائع كلها لقوله : اطووا الشهادة واختموا الصحف وعيسى ابن مريم يقول كما في متّى : وهؤلاء الاثنا عشر أرسلهم عيسى وأمرهم وهو يقول : لا تنطلقوا إلى طريق العوام ولا تدخلوا في أحد أمصار السامريين بل اذهبوا إلى غنم بيت إسرائيل الضالة ، ويقول كما في متى أيضا ، لكنك إن أردت أن تلج الحياة فحافظ على الأحكام الخ ، وهذه كلها صريحة في خصوصية نبوته ، وعدم نسخ ناموس موسى ، فلا يصدق عليه ، فلا دلالة له عليه . وإذا فهمت هذا فقد علمت أن غاية هذا الفصل التبشير ببعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وتقدير كلام أشعياء لا تكلموا علي ، أي تسبوا وترفضوا من تتكلم عليه ، أي من تسبه وترفضه هذه الأمة أي اليهود ، ولا تخشوا من يخشوه ، أي لا تتولوا من يتولوه ولا تعادوا من يعادوه ، بل قدسوا استثناء منقطع من لا تتكلموا وأخشوا رب الجنود وحده ، واخشوه وخافوا منه ، أي لا تحذروا سلاطين اليونانيين والفلسطينيين والرومانيين والمدينيين ولا تقدسوهم ، بل اجعلوا جميع اتكالكم على رب الجنود ، أي الملك العادل والنبي الأمي الكامل لأنه أي رب الجنود والرب بمعنى المربي والمولى ، يقال : هو رب النعمة أي مفيضها ، ورب البيت أي مولاه ، وإذا أضيف إلى الضمير المتصل لا يكون إلا بمعنى المعبود على الأصح هو المقدس فقط لا غيره ، لأن تعريف الخير يفيد الحصر . وهو حجرة العثرة ، عطف على هو المقدس وخبر لأن وصخرة الشك خبر ثالث لأن أي رب الجنود هذا هو المنحصرة فيه هذه الصفات ولجميع الناس . أما التقديس فلأنه لم يرتكب قبل نبوته ما يوجب الثلب ، وأما العثرة والشك فلأنه من أولاد هاجر ، ولم يبعث منهم قبله نبي ، وأما أيوب فمن أعراب مدين وأما خالد بن سنان عند من يقول بنبوته فمن أعراب سامرة ، وهو لأهل بيت إسرائيل فخ هذه صفة أخرى له صلى اللّه عليه وسلم ، وهي أنه فخ يصيدهم ويأسرهم ، فكما فعل بهم الفلسطينيون هكذا يفعل بهم هو أيضا ، ولسكنة أورشليم مصيدة المصيدة هي الشبكة التي تصيد كل ما يوكر عليها مرة واحدة بخلاف الفخ فإنه لا يصيد مما يوكر عليه إلا ما ينقر العتلة ولا يكون إلا واحدا فكان مراد أشعياء عليه السلام أنه يتسلط على اليهود ويقهرهم واحدا بعد واحد ، لأنهم مشتتون . وأما البلد فإنه يتسلط عليها مرة واحدة ، وسيعثرون أي يشكون فيه ويسقطون إذا شكوا وينكسرون إذا سقطوا ، ويقيدون إذا انكسروا إلا أنهم لا يستطيعون الفرار