صديق الحسيني القنوجي البخاري

71

فتح البيان في مقاصد القرآن

ويؤسرون إذا قيدوا فاطووا الشهادة التي عندكم أيها الأنبياء ، واختموا الصحف أي أسفار التوراة ، ونبوات الأنبياء التي عند تلاميذي أي بني إسرائيل لأنها ستنسخ وتترك إذا ظهر رب الجنود صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يحتاج إليها بعد ، وأنا سأنتظر الرب الذي يغطي وجهه عن إسرائيل ، وأترقبه ، يعني به محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، يقول : إني لا أنتظر من يأتي قبله يعني عيسى الذي أشار إليه في غير هذا المكان لأنه نبي لبني إسرائيل ، لكني أنتظر الذي يغطي وجهه عنهم وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يقال : إن نبوته صلى اللّه عليه وسلم ، عامة ، والعامة تلزم منها دعوة الكل ، فكيف يغطي وجهه عنهم ؟ لأن المراد بتغطية الوجه عدم ظهوره منهم واستقامته في ملكهم ، ثم قال : وها أنا والأولاد يعني الأتقياء من بني إسرائيل ، وإضافة الرب إلى الضمير المتصل إشارة إلى المعبود جل اسمه الذين وهبهم لي ربي ، أي أعطاني إياهم ووفقهم لاتباع دعوتي علامة عجيبة في إسرائيل ، أي نكون نحن علامة لهم حتى يعرفوا ما ضلوا عنه ، ويندموا على ما فعلوه ، ولرب الجنود الذي يسكن في صهيون إشارة إلى المهدي لأنه وصف محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، برب الجنود الذي يغطي وجهه عن إسرائيل فإذا كان كذلك لا يمكن أن يسكن في صهيون ، وإلى هذا ذهب أكثر العلماء وصرحوا بأن المهدي يستقر في أورشليم ويعمرها بأموال الهند وفي هذا البرهان إقناع كامل لليهود والنصارى والمسلمين جميعا . أو المراد بالسكون في صهيون سكون دينه واستقرار أهل ملته فيه ، وهذا أوضح مما قبله ، وفي سفر التكوين : وأما أنت يا يهوذا فإنك أنت الذي تمدحه إخوته وستكون يدك في عنق أعدائك وستجثو لك أولاد أبيك ألا فإن القضيب لن ينصرف عن يهوذا ، ولا واضعي الناموس من تحت قدميه حتى يأتي شيلو ، وتصير إليه عوام الناس ، وأبطأ إلى الجفن جحشه ، وإلى منتخب الكروم أتانه غاسلا بالخمر قميصه ، وبدم الكرم لباسه ، وسوف تكون عيناه أحمر من الخمر وأسنانه أبيض من اللبن اه . وهذا نص على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وأوله النصارى وقالوا : إن شيلو هو المسيح ابن مريم ، وقال اليهود : بل هو في شأن المسيح المزمع بالإتيان ، وسياق دعوى النصارى هو أن هذا الفصل في سفر التكوين يتضمن دعاء يعقوب لبنيه ، وأنه تنبأ لكل واحد منهم بما يناسب شأنه ، وتنبأ ليهوذا بأن السلطنة ستستقر في أولاده حتى يخرج شيلو ، ووصفه بهذه الصفات التي أشار إليها في غير هذا المكان ، والحق أنه يجيز صحة النهوض ، وليس فيه ريبة إلا أن غايته ظهور محمد صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه قيد زوال الملك والنبوة من بني إسرائيل بظهور عيسى ، ومن بعد ظهوره إلى هذا الآن لم يستقل منهم ملك ، ولم يظهر فيهم نبي ، وانتقلت السلطنة والنبوة إلى إسماعيل .