صديق الحسيني القنوجي البخاري

583

فتح البيان في مقاصد القرآن

وهذه السورة قد تجردت للتوحيد والصفات ، وفيه دليل على شرف علم التوحيد وكيف لا والعلم يشرف بشرف المعلوم ، ويتضع بضعته ، ومعلوم هذا العلم هو اللّه سبحانه وصفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه ، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله . وفي التوحيد وصفاته سبحانه كتب ورسائل مستقلة مفرزة تصدّى لجمعها وتأليفها عصابة من أهل العلم بالكتاب العزيز والسنة المطهرة منهم شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني وتلميذه الحافظ محمد بن أبي بكر بن القيم وغيرهما من سلف الأئمة وخلفها كالمقريزي والشوكاني ومحمد بن إسماعيل الأمير اليماني ومحمد بن إسماعيل الدهلوي وأمثالهم رحمنا اللّه وإياهم أجمعين ، اللهم اجعلنا من الموحدين إياك واحشرنا في زمرة العالمين بك العاملين لك ، الراجين لثوابك الخائفين من عقابك المكرمين بلقائك ، وتقبل منا أنك أنت السميع العليم . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة الإخلاص ( 112 ) : الآيات 1 إلى 4 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) اللَّهُ الصَّمَدُ ( 2 ) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 ) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الضمير يجوز أن يكون عائدا إلى ما يفهم من السياق لما قدمنا من بيان سبب النزول وإن المشركين قالوا يا محمد انسب لنا ربك فيكون مبتدأ ، واللّه مبتدأ ثان واحدا خبر المبتدأ الثاني ، والجملة خبر المبتدأ الأول ، ويجوز أن يكون اللّه بدلا من هو والخبر أحد ، ويجوز أن يكون اللّه خبرا أول وأحد خبرا ثانيا ، ويجوز أن يكون أحد خبرا لمبتدأ محذوف أي هو أحد ، ويجوز أن يكون هو ضمير شأن لأنه موضع تعظيم ، والجملة بعده مفسرة له وخبر عنه والأول أولى . قال الزجاج هو كناية عن ذكر اللّه والمعنى أن ما سألتم تبيين نسبته هو اللّه أحد ، قيل وهمزة أحد بدل من الواو وأصله واحد ، ومن جملة القائلين بالقلب الخليل ، وقال أبو البقاء همزة أحد أصل بنفسها غير مقلوبة ، وذكر أن أحد يفيد العموم دون واحد . ومما يفيد الفرق بينهما ما قاله الأزهري أنه لا يوصف بالأحدية غير اللّه تعالى ، لا يقال رجل أحد ولا درهم أحد كما يقال رجل واحد ودرهم واحد ، قيل والواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه ، فإذا قلت لا يقاومه واحد جاز أن يقال لكنه يقاومه اثنان بخلاف قولك لا يقاومه أحد . وفرق ثعلب بين واحد وبين أحد بأن الواحد يدخل في العدد ، وأحد لا يدخل فيه ورد عليه أبو حيان بأنه يقال أحد وعشرون ونحوه فقد دخله العدد ، وهذا كما ترى انتهى .