صديق الحسيني القنوجي البخاري

584

فتح البيان في مقاصد القرآن

وذكر أحد في الإثبات مع أن المشهور أنه يستعمل بعد النفي كما أن الواحد لا يستعمل إلا بعد الإثبات يقال في الدار واحد وما في الدار أحد . فالجواب عنه ما قال ابن عباس أنه لا فرق بينهما في المعنى ، واختاره أبو عبيدة ويؤيده قوله تعالى : فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ وعليه فلا يختص أحدهما بمحل دون آخر ، وإن اشتهر استعمال أحدهما في النفي والآخر في الإثبات . ويجوز أن يكون العدول عن المشهور هنا رعاية الفاصلة بعد فدل بقوله : اللَّهُ على جميع الكمال وهي الثبوتية كالعلم والقدرة والإرادة وبالأحد على صفات الجلال وهي الصفات السلبية كالقدم والبقاء كذا قال الكرخي . قرأ الجمهور قُلْ هُوَ اللَّهُ بإثبات قل ، وقرأ ابن مسعود وأبيّ الله أحد بدون قل ، وقرىء ( قل هو اللّه الواحد ) وقرأ الجمهور بتنوين أحد وهو الأصل وقرىء بحذفه للخفة ، وقيل إن ترك التنوين لملاقاته لام التعريف فيكون الترك لأجل الفرار من التقاء الساكنين ، ويجاب عنه بأن الفرار من التقاء الساكنين قد حصل مع التنوين بتحريك الأول منهما بالكسر . اللَّهُ الصَّمَدُ الاسم الشريف مبتدأ والصمد خبره ، والصمد هو الذي يصمد إليه في الحاجات أي يقصد لكونه قادرا على قضائها فهو فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض ، لأنه مصمود إليه أي مقصود إليه . قال الزجاج : الصمد السيد الذي انتهى إليه السؤود فلا سيد فوقه ، وقيل معنى الصمد الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزول ، وقيل معنى الصمد ما ذكره بعده من أنه الذي لم يلد ولم يولد ، وقيل هو المستغني عن كل أحد ، والمحتاج إليه كل أحد ، وقيل هو المقصود في الرغائب والمستعان به في المصائب ، وهذان القولان يرجعان إلى معنى القول الأول ، وقيل هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وقيل هو الكامل الذي لا عيب فيه . وقال الحسن وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب ومجاهد وعبد اللّه بن بريدة وعطاء وعطية العوفي والسدي : الصَّمَدُ هو المصمت الذي لا جوف له ، وهذا لا ينافي القول الأول لجواز أن يكون هذا أصل معنى الصمد ثم استعمل في السيد المصمود إليه في الحوائج ، ولهذا أطبق على القول الأول أهل اللغة وجمهور أهل التفسير . وتكرير الاسم الجليل للإشعار بأن من لم يتصف بذلك فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية ، وحذف العاطف من هذه الجملة لأنها كالنتيجة للجملة الأولى . وقيل إن الصمد صفة للاسم الشريف ، والخبر هو ما بعده والأول أولى لأن السياق يقتضي استقلال كل جملة .