صديق الحسيني القنوجي البخاري

575

فتح البيان في مقاصد القرآن

ربك إذا جاء نصر اللّه كما مر ، وقال مكي العامل في ( إذا ) هو جاء ، ورجحه أبو حيان وضعف الأول بأن ما جاء بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبلها . وقوله : بِحَمْدِ رَبِّكَ في محل نصب على الحال أي فقل سبحان اللّه متلبسا بحمده أو حامدا له ، وفيه الجمع بين تسبيح اللّه المؤذن بالتعجب مما يسره اللّه له مما لم يكن يخطر بباله ولا بال أحد من الناس ، وبين الحمد له على جميل صنعه له وعظيم منته عليه بهذه النعمة التي هي النصر والفتح لأم القرى التي كان أهلها قد بلغوا في عداوته إلى أعلى المبالغ حتى أخرجوه منها بعد أن افتروا عليه من الأقوال الباطلة ، والأكاذيب المختلفة ما هو معروف من قولهم هو مجنون هو ساحر هو شاعر هو كاهن ونحو ذلك . ثم ضم سبحانه إلى ذلك أمره نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالاستغفار فقال : وَاسْتَغْفِرْهُ أي اطلب منه المغفرة لذنبك ، وسله الغفران هضما لنفسك واستقصارا لعملك ، واستدراكا لما فرط منك من ترك ما هو الأولى . وقد كان صلى اللّه عليه وآله وسلم يرى قصوره عن القيام بحق اللّه ويكثر من الاستغفار والتضرع وإن كان قد غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وقيل إن الاستغفار منه صلى اللّه عليه وآله وسلم ومن سائر الأنبياء هو تعبد تعبدهم اللّه به لا لطلب المغفرة لذنب كائن منهم ، وقيل إنما أمره اللّه سبحانه بالاستغفار تنبيها لأمته وتعريضا بهم ، فكأنهم هم المأمورون بالاستغفار . وقيل إن اللّه سبحانه أمره بالاستغفار لأمته لا لذنبه وقيل المراد بالتسبيح هنا الصلاة ، والأولى حمله على معنى التنزيه مع ما أشرنا إليه من كون فيه معنى التعجب سرورا بالنعمة ، وفرحا بما حباه اللّه من نصر الدين وكبت أعدائه ونزول الذلة بهم ، وحصول القهر لهم . قال الحسن : أعلم اللّه رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قد اقترب أجله فأمره بالتسبيح والتوبة ليختم له في آخر عمره بالزيادة في العمل الصالح ، فكان يكثر أن يقول « سبحانك اللهم وبحمدك اغفر لي أنك أنت التواب » . قال قتادة ومقاتل : وعاش صلى اللّه عليه وسلم بعد نزول هذه السورة سنتين . وعن عائشة قالت : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكثر من قول سبحان اللّه وبحمده وأستغفره وأتوب إليه فقلت يا رسول اللّه أراك تكثر من قول سبحان اللّه وبحمده واستغفر اللّه وأتوب إليه ، فقال أخبرني ربي أني سأرى علامة من أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان اللّه وبحمده وأستغفر اللّه وأتوب إليه ، فقد رأيتها إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فتح مكة ورأيت الناس يدخلون الخ » أخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه .