صديق الحسيني القنوجي البخاري

56

فتح البيان في مقاصد القرآن

أسلم فكان ظاهرا في عموم الرجال مع النساء ، فبين اللّه خروجهن عن عمومه ، ويفرق بين الرجال والنساء بأن الرجل لا يخشى عليه من الفتنة في الرد ما يخشى على المرأة من إصابة المشرك إياها ، وأنه لا يؤمن عليها الردة إذا خوفت وأكرهت لضعف قلبها ، وقلة هدايتها إلى الخروج منها بإظهار كلمة الكفر ، مع التورية ، وإضمار كلمة الإيمان طمأنينة القلب عليه ، ولا يخشى ذلك على الرجل لقوته وهدايته ، كذا في الخطيب . لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ تعليل للنهي عن إرجاعهن ، والتكرير لتأكيد الحرمة ، والجملة الأولى لنفي الحل حالا ، والثانية لنفيه فيما يستقبل من الزمان ، وفيه دليل على أن المؤمنة لا تحل لكافر ، وأن إسلام المرأة يوجب فرقتها من زوجها لا مجرد هجرتها وَآتُوهُمْ خطاب لولاة الأمور ، والأمر للوجوب ، فيكون منسوخا ، أو للندب كما هو مذهب الشافعي فليس منسوخا ، أي وأعطوا أزواج هؤلاء اللاتي هاجرن وأسلمن : ما أَنْفَقُوا أي مثل ما أنفقوا عليهن من المهور ، قال الشافعي : وإذا طلبها غير الزوج من قراباتها منع بلا عوض ، عن ابن عباس قال : نزلت سورة الممتحنة بعد ذلك الصلح ، فكان من أسلم من نسائهم تسأل . ما أخرجك ؟ فإن كانت خرجت فرارا من زوجها ، ورغبة عنه ، ردت وإن كانت خرجت رغبة في الإسلام أمسكت ، ورد على زوجها مثل ما أنفق ، ووجوب الإيتاء أو ندبه إنما هو في نساء أهل الذمة ، كما هو مورد الآية ، فإنها وردت في شأن أهل مكة الذين هادنهم صلى اللّه عليه وسلم ، وأما نساء الحربيين الذين لم يعقد لهم عهد فلا يجب ولا يسن رد مهورهن اتفاقا ، وبه قال قتادة ، والأمر كما قال ، ثم نفى عنهم الجناح في تزوج هؤلاء المهاجرات فقال : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ بشرطه ، وهو انقضاء العدة فيما إذا كانت المسلمة مدخولا بها ، والولي والشاهدان وبقية شروط الصحة في المدخول بها وغيرها ، لأنهن قد صرن من أهل دينكم ، وإن كان أزواجهن الكفار لم يطلقوهن لانفساخ العقد بالإسلام إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي مهورهن ، لأن المهر أجر البضع ، وذلك بعد انقضاء عدتهن كما تدل عليه أدلة وجوب العدة ، وقال أبو حنيفة رحمه اللّه : لا عدة على المهاجرة ، واستدل بهذه الآية ، والأول أولى ، وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وأحمد ، والآية رد لما يتوهم من أن رد المهر إلى أزواجهن الكفار مغن عن تجديد مهر لهن إذا تزوجهن المسلمون ، فالمهر المدفوع للكفار لا يقوم مقام المهر الذي يجب على المسلم إذا تزوجهن ، والمراد بإيتاء المهر التزامه ، وإن لم يدفع بالفعل . وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ قرأ الجمهور بالتخفيف من الإمساك ، واختارها أبو