صديق الحسيني القنوجي البخاري
57
فتح البيان في مقاصد القرآن
عبيد لقوله : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ * وقرىء بالتشديد من التمسك وهما سبعيتان ، والعصم جمع عصمة وهي ما يعتصم به من عقد وسبب ، والمراد هنا عصمة عقد النكاح ، والكوافر جمع كافرة وهي التي بقيت في دار الحرب ، أو لحقت بدار الحرب مرتدة ، أي لا يكن بينكم وبينهن عصمة ولا علقة زوجية ، والمعنى أن من كانت له امرأة كافرة فليست له بامرأة لانقطاع عصمتها باختلاف الدين ، قال النخعي : هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر ، وكان الكفار يزوجون المسلمات ، والمسلمون يزوجون المشركات ، ثم نسخ ذلك بهذه الآية ، وهذه خاصة بالكوافر المشركات دون الكوافر من أهل الكتاب ، وقيل : عامة في جميع الكوافر مخصصة بإخراج الكتابيات منها . وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه إذا أسلم وثني أو كتابي لا يفرق بينهما إلا بعد انقضاء العدّة ، وقال بعض أهل العلم : يفرق بينهما بمجرد إسلام الزوج ، وهذا إنما هو إذا كانت المرأة مدخولا بها ، وأما إذا كانت غير مدخول بها فلا خلاف بين أهل العلم في انقطاع العصمة بينهما بالإسلام ، إذ لا عدة عليها ، عن ابن عباس قال : أسلم عمر بن الخطاب وتأخرت امرأته في المشركين ، فأنزل اللّه : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ . وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ أي اطلبوا مهور نسائكم اللاحقات بالكفار ممن تزوجها وليسألوا ما أَنْفَقُوا من مهور نسائهم المهاجرات ممن تزوجها منا ، قال المفسرون : كان من ذهب من المسلمات مرتدة إلى الكفار من أهل العهد ، يقال للكفار : هاتوا مهرها ، ويقال للمسلمين : إذا جاءت امرأة من الكفار إلى المسلمين وأسلمت : ردوا مهرها على زوجها الكافر ، قال الخطيب : وكان ذلك نصفا وعدلا بين الحالين وأطال سلمان الجمل في بيان ذلك . ذلِكُمْ المذكور من إرجاع المهور من الجهتين حُكْمُ اللَّهِ وقوله : يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ مستأنفة أو حالية وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي بليغ العلم ، لا تخفى عليه خافية ، بليغ الحكمة في أقواله وأفعاله ، قال القرطبي : وكان هذا مخصوصا بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة بإجماع المسلمين ، ولما نزلت الآية المتقدمة قال المسلمون : رضينا بحكم اللّه ، وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا فنزل قوله . [ سورة الممتحنة ( 60 ) : الآيات 11 إلى 13 ] وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ( 11 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 12 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ( 13 ) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ مما دفعتم إليهم من مهور النساء