صديق الحسيني القنوجي البخاري
54
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ أي تفضوا إليهم بالقسط وتعدلوا فيهم بالإحسان إليهم ، والبر . يقال : أقسطت إلى الرجل إذا عاملته بالعدل ، قال الزجاج : المعنى وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد ولا تظلموهم ، وإذا نهي من الظلم في حق المشرك فكيف في حق المسلم ؟ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي العادلين ، ومعنى الآية أن اللّه سبحانه لا ينهى عن بر أهل العهد من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال وعلى أن لا يظاهروا الكفار عليهم ، ولا ينهى عن معاملتهم بالعدل ، قال ابن زيد كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ، ثم نسخ ، قال قتادة : نسخ بقوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التوبة : 5 ] ، وقيل : هذا الحكم كان ثابتا في الصلح بين النبي صلى اللّه عليه وسلم وبين قريش ، فلما زال الصلح بفتح مكة نسخ الحكم ، وقيل : هي خاصة في حلفاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ من بينه وبينه عهد ، قاله الحسن وقال الكلبي : هم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف ، وقال مجاهد : هي خاصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا ، وقيل : هي خاصة بالنساء والصبيان ، وحكى القرطبي عن أكثر أهل التأويل أنها محكمة ، وهو الأولى لحديث أسماء المتقدم المتفق عليه . ثم بيّن سبحانه من لا يحل بره ولا العدل في معاملته ، فقال : إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وهم صناديد الكفار من قريش وعتاة أهل مكة وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أي عاونوا الذين قاتلوكم وأخرجوكم على ذلك ، وهم سائر أهل مكة ومن دخل معهم في عهدهم أَنْ تَوَلَّوْهُمْ بدل اشتمال من الموصول كما سلف . وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي الكاملون في الظلم ، لأنهم تولوا من يستحق العداوة لكونه عدوا للّه ولرسوله ولكتابه ، وجعلوهم أولياء لهم ، وفيه مراعاة معنى من بعد مراعاة لفظها ، ولما ذكر سبحانه حكم فريقي الكافرين في جواز البر والإقساط للفريق الأول دون الثاني ، ذكر حكم من يظهر الإيمان فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ سماهن مؤمنات لنطقهن بكلمة الشهادة أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان مُهاجِراتٍ من بين الكفار ، وذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما صالح قريشا يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاءهم من المسلمين ، فلما هاجر إليه النساء أبى اللّه أن يرددن إلى المشركين ، وأمر بامتحانهن فقال : فَامْتَحِنُوهُنَّ أي فاختبروهن بالحلف أي هل هن مسلمات حقيقة أو لا . وقد أخرج البخاري عن « المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية جاءه نساء مسلمات فأنزل اللّه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ