صديق الحسيني القنوجي البخاري

520

فتح البيان في مقاصد القرآن

وشر البرية أفعل تفصيل أي لأنهم يخفون من كتاب اللّه صفة محمد وأشر من قطاع الطريق لأنهم قطعوا طريق دين الحق على الخلق ، وأشر من الجهال لأن الكفر مع العلم يكون عنادا ، وهذا فيه تنبيه على أن وعيد علماء السوء أعظم من وعيد كل أحد . ثم بيّن سبحانه حال الفريق الآخر فقال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أُولئِكَ المنعوتون بهذا هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أي في عصره صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يبعد أن يكون في مؤمني الأمم السالفة من هو خير منهم . وعن أبي هريرة قال أتعجبون من منزلة الملائكة من اللّه ، والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند اللّه يوم القيامة أعظم من منزلة ملك . واقرأوا إن شئتم إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الآية . وعن عائشة قالت : قلت يا رسول اللّه من أكرم الخلق على اللّه قال : « يا عائشة أما تقرأين إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الآية » أخرجه ابن مردويه . وعن جابر بن عبد اللّه قال : « كنا عند النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأقبل علي فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ونزلت إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الآية فكان أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، إذا أقبل قالوا قد جاء خير البرية » أخرجه ابن عساكر . وعن ابن عباس قال : « لما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه لعلي هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين » أخرجه ابن مردويه ، وأخرج الضياء عن علي مرفوعا نحوه . وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعا « عليّ خير البرية » وعن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم « ألا أخبركم بخير البرية قالوا بلى يا رسول اللّه قال رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل اللّه ، كلما كانت هيعة استوى عليه . ألا أخبركم بشر البرية قالوا بلى قال الذي يسأل باللّه ولا يعطي به » « 1 » أخرجه أحمد . جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي ثوابهم عند خالقهم بمقابلة ما وقع منهم من الإيمان والعمل الصالح جَنَّاتُ عَدْنٍ هذا من مقابلة الجمع بالجمع وهو يقتضي انقسام الآحاد على الآحاد فيكون لكل واحد جنة ، وقيل الجمع باق على حقيقته وأن لكل واحد جنات كما يدل عليه قوله : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ فذكر للواحد أربع جنات وأدنى تلك الجنات مثل الدنيا بما فيها عشر مرات .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإمارة حديث 125 ، وابن ماجة في الفتن باب 13 ، وأحمد في المسند 2 / 443 .