صديق الحسيني القنوجي البخاري

519

فتح البيان في مقاصد القرآن

الاعتقادات ، وعن توابعها من الخطأ والنسيان إلى العمل الصالح ، وهو مقام التقى ، وعن المكروهات إلى المستحبات ، وهو المقام الأول من الورع ، وعن الفضول شفقة على خلق اللّه وهو ما لا يعني إلى ما يعني وهو المقام الثاني من الورع ، وعما يجر إلى الفضول وهو مقام الزهد فالآية جامعة لمقامي الاخلاص الناظر أحدهما إلى الحق ، والثاني إلى الخلق . يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ أي يفعلوا الصلوات في أوقاتها ويعطوا الزكاة عند محلها ، وخص الصلاة والزكاة لأنهما من أعظم أركان الدين ، قيل إن أريد بالصلاة والزكاة ما في شريعة أهل الكتاب من الصلاة والزكاة فالأمر ظاهر ، وإن أريد ما في شريعتنا فمعنى أمرهم بهما في الكتابين أمرهم باتباع شريعتنا وهما من جملة ما وقع الأمر به فيها . وَذلِكَ المذكور من عبادة اللّه وإخلاصها وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة دِينُ الْقَيِّمَةِ أي دين الملة المستقيمة والشريعة المتبوعة ، قاله الزجاج ، فالقيمة صفة لموصوف محذوف ، قال الخليل القيمة جمع القيم ، والقيم القائم . قال الفراء أضاف الدين إلى القيمة وهو نعته لاختلاف اللفظين ، وأنث القيمة ردا إلى الملة ، وقال الفراء أيضا هو من إضافة الشيء إلى نفسه ، ودخلت الهاء للمدح والمبالغة ، وما في الإشارة من معنى البعد للاشعار بعلو رتبته وبعد منزلته وسمو مكانته . ثم بيّن سبحانه حال الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا فقال : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ عطف على الموصول أو المجرور ، وخبر إن فِي نارِ جَهَنَّمَ أي أنهم يصيرون إليها يوم القيامة . وبدأ بأهل الكتاب لأنهم كانوا يطعنون في نبوته فجنايتهم أعظم لأنهم أنكروه مع العلم به . خالِدِينَ فِيها حال من المستكن في الخبر ، ولم يقل خالدين فيها أبدا كما قال بعد في صفة أهل الثواب لأن رحمته أزيد من غضبه ، فلم يتفق الخلودان في الأبدية أُولئِكَ المذكورون من أهل الكتاب والمشركين المتصفين بالكون في نار جهنم والخلود فيها هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ يقال برأ أي خلق والبارىء الخالق ، والبرية الخليقة . قرأ الجمهور البرية في الموضعين بغير همز وقرىء بالهمز فيهما قال الفراء إن أخذت البرية من البراء وهو التراب لم تدخل الملائكة تحت هذا اللفظ ، وإن أخذتها من بريت القلم أي قدرته دخلت ، وقيل إن الهمز هو الأصل لأنه يقال برأ اللّه الخلق بالهمز أي ابتدعه واخترعه ، ومنه قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها [ الحديد : 22 ] ولكنها خففت الهمزة والتزم تخفيفها عند عامة العرب ، وظاهر الآية العموم ، وقيل شر البرية الذين عاصروا الرسول إذ لا يبعد أن يكون في كفار الأمم من هو شر من هؤلاء كفرعون وعاقر ناقة صالح ( عليه السلام ) .