صديق الحسيني القنوجي البخاري
518
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال القرطبي قال العلماء : من أول السورة إلى قوله : كُتُبٌ قَيِّمَةٌ حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين ، وقوله : وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ الخ فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب والمشركين بعد قيام الحجج . [ سورة البينة ( 98 ) : الآيات 5 إلى 8 ] وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ( 5 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ( 6 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ( 7 ) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ( 8 ) وجملة وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ حالية مقيدة لغاية قبح ما فعلوا وتقريعهم وتوبيخهم بما فعلوا من التفرق بعد مجيء البينة أي والحال أنهم ما أمروا في كتبهم إلا لأجل أن يعبدوا اللّه ويوحدوه ، وقيل إن اللام في ليعبدوا بمعنى أن أي ما أمروا إلا أن بأن يعبدوا كقوله : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [ النساء : 26 ] أي أن يبين ، وقوله : يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [ الصف : 8 ] أي أن يطفئوا ، والعبادة هي التذلل ، ومن زعم أنها الطاعة فقد أخطأ لأن جماعة عبدوا المسيح والملائكة والأصنام وما أطاعوهم ، ولكنها في الشرع صارت اسما لكل طاعة أديت له على وجه التذلل والنهاية في التعظيم . مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي الحال كونهم جاعلين دينهم خالصا له سبحانه أو جاعلين أنفسهم خالصة له في الدين ، قرأ الجمهور مخلصين بكسر اللام ، وقرأ الحسن بفتحها . وهذه الآية من الأدلة الدالة على وجوب النية في العبادات لأن الإخلاص في العمل من عمل القلب ، قال الكرخي : الإخلاص أن لا يطلع على عملك إلا اللّه سبحانه ولا تطلب منه ثوابا ، وقال الشهاب الإخلاص عدم الشرك وأنه ليس بمعنى الإخلاص المتعارف . وانتصاب حُنَفاءَ على الحال من الضمير مخلصين فيكون من باب التداخل ، ويجوز أن يكون من فاعل يعبدوا ، والمعنى مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام وقيل متبعين ملة إبراهيم ، وقيل حجاجا ، وقيل مختونين محرمين لنكاح المحارم ، وقيل الحنيف الذي آمن بجميع الأنبياء والرسل ، ولا يفرق بين أحد منهم ، والأول أولى . وأصل الحنف في اللغة الميل وخصه العرف بالميل إلى الخير ، وسموا الميل إلى الشر إلحادا . والحنيف المطلق هو الذي يكون متبرئا عن أصول الملل الخمسة اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين ، وعن فروعها من جميع النحل إلى