صديق الحسيني القنوجي البخاري

517

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال الشهاب : تطهير الصحف كناية عن كونها ليس فيها باطل على الاستعارة المصرحة أو المكنية وقيل مطهرة من الكذب والشبهات والكفر ، والمعنى واحد ، وقيل معظمة وقيل لا ينبغي أن يمسها إلا المطهرون ، والأول أولى . والمعنى أنه يقرأ ما تتضمنه الصحف والقراطيس من المكتوب فيها فالكتب بمعنى المكتوبات في القراطيس ، فالقرآن يجمع ثمرة كتب اللّه المتقدمة عليه ، والرسول وأن كان أميا لكنه لما تلا ما في الصحف كان كالتالي لها فصح نسبة تلاوة الصحف إليه وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ من كتاب وإنما يقرأ بالوحي عن ظهر قلب . فِيها كُتُبٌ صفة لصحف من كتاب أو حال من ضميرها والمراد الآيات والأحكام المكتوبة فيها التي هي مدلول القرآن المكتوب لفظه ونقشه قَيِّمَةٌ أي مستقيمة مستوية محكمة ، من قول العرب قام الشيء إذا استوى وصح ، قال صاحب النظم : الكتب بمعنى الحكم كقوله : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] أي حكم ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم ، في قصة العسيف لأقضين بينكما بكتاب اللّه ، ثم قضى بالرجم وليس الرجم في كتاب اللّه فالمراد لأقضين بينكما بحكم اللّه ، وبهذا يندفع ما قيل أن الصحف هي الكتب ، فكيف قال : صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وقال الحسن يعني بالصحف التي في السماء يعني في اللوح المحفوظ كما في قوله تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [ البروج : 21 ، 22 ] . وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ مستأنفة لتوبيخ أهل الكتاب وتقريعهم وبيان أن ما نسب إليهم من عدم الانفكاك لم يكن لاشتباه الأمر بل كان بعد وضوح الحق وظهور الصواب ، وأيضا تصريح بما أفادته الغاية قبله ، وإفراد أهل الكتاب بالذكر بعد الجمع بينهم وبين المشركين للدلالة على شناعة حالهم وإنهم لما تفرقوا مع علمهم كان غيرهم بذلك أولى ، فاقتصر عليهم لأنهم أشد جرما ، أو أنه يعلم حال غيرهم بالطريق الأولى فهو من باب الاكتفاء . فالمعنى وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ولا المشركون إلا من بعد الخ قال المفسرون لم يزل أهل الكتاب مجتمعين حتى بعث اللّه سبحانه محمدا صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فلما بعث تفرقوا في أمره واختلفوا فآمن به بعضهم وكفر آخرون . والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات أي وما تفرقوا في وقت من الأوقات إلا من بعد ما جاءتهم الحجة الواضحة ، وهي بعثة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، بالشريعة الغراء والمحجمة البيضاء أو هو صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل البينة القرآن وقيل البينة هو البيان الواضح الذي في كتبهم أنه نبي مرسل كقوله : وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ [ آل عمران : 19 ] .