صديق الحسيني القنوجي البخاري
516
فتح البيان في مقاصد القرآن
وانفكاك الشيء عن الشيء أن يزيله بعد التحامه كالعظم إذا انفك من مفصله ، وفيه إشارة إلى كمال وكادة وعدهم ، انتهى ملخصا . قال الواحدي : ومعنى الآية إخبار اللّه تعالى عن الكفار أنهم لم ينتهوا عن كفرهم وشركهم باللّه حتى أتاهم محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم بالقرآن ، فبين لهم ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى الإيمان ، وهذا بيان عن النعمة والانقاذ به من الجهل والضلالة ، والآية فيمن آمن من الفريقين . قال : وهذه الآية من أصعب ما في القرآن نظما وتفسيرا ، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء وسلكوا في تفسيرها طرقا لا تفضي بهم إلى الصواب ، والوجه ما أخبرتك فاحمد اللّه إذا أتاك بيانها من غير لبس ولا إشكال . قال ويدل على كون البينة محمدا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، إنه فسرها وأبدل بقوله الآتي رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً يعني ما تتضمنه الصحف من المكتوب فيها وهو القرآن ، ويدل على ذلك أنه كان يتلو عن ظهر قلبه لا عن كتاب ، انتهى كلامه . وقيل إن الآية حكاية لما كان يقوله أهل الكتاب والمشركون إنهم لا يفارقون دينهم حتى يبعث النبي الموعود به ، فلما بعث تفرقوا كما حكاه اللّه عنهم في هذه السورة ، والمراد بالبينة على ما قاله الجمهور هو محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، لأنه في نفسه بينة وحجة ، ولذلك سماه سِراجاً مُنِيراً [ الفرقان : 61 ] . وقد فسر اللّه سبحانه هذه البينة المجملة بقوله : رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ فاتضح الأمر وتبين أنه المراد بالبينة ، وقال قتادة وابن زيد البينة هي القرآن كقوله : أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى [ طه : 133 ] وقال أبو مسلم المراد بها مطلق الرسل والمعنى حتى تأتيهم رسل من اللّه وهم الملائكة ، والأول أولى . قرأ الجمهور برفع رسول على أنه بدل كل من كل على سبيل المبالغة أو بدل اشتمال ، قال الزجاج : رسول رفع على البدل من البينة ، وقال الفراء : رفع على أنه خبر مبتدأ مضمر أي هي رسول اللّه أو هو رسول ، وقرأ ابن مسعود وأبيّ رسولا بالنصب على القطع ، وقوله : مِنَ اللَّهِ متعلق بمحذوف هو صفة لرسول أي كائن من اللّه ويجوز تعلقه بنفس رسول . يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً صفة أخرى لرسول أو حال ، وقال أبو البقاء : التقدير يتلو صحفا مطهرة منزلة من اللّه ، ومعنى يتلو يقرأ يقال تلا يتلو تلاوة ، والصحف جمع صحيفة وهي ظرف المكتوب ، ومعنى مطهرة أنها منزهة من الزور والضلال ، قال قتادة : مطهرة من الباطل .