صديق الحسيني القنوجي البخاري
509
فتح البيان في مقاصد القرآن
يصلي كذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب ، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يصلي ليطأن على رقبته ، قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيده . فقيل له ما لك فقال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا قال وأنزل اللّه كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى [ العلق : 6 ] إلى آخر السورة » يعني أبا جهل فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يعني قومه سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يعني الملائكة « 1 » . ثم كرر سبحانه الردع والزجر فقال : كَلَّا لا تُطِعْهُ فيما دعاك إليه من ترك الصلاة وَاسْجُدْ أي صل للّه غير مكترث به ولا مبال بنهيه وَاقْتَرِبْ أي تقرب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة ، وقيل المعنى إذا سجدت فاقترب من اللّه بالدعاء ، وقال زيد بن أسلم واسجد أنت يا محمد واقترب أنت يا أبا جهل من النار ، والأول أولى . والسجود هذا الظاهر أن المراد به الصلاة وعبر عنها بالسجود لأنه أفضل أركانها بعد القيام ، وقيل سجود التلاوة ، ويدل على هذا ما ثبت عنه صلى اللّه عليه وسلم من السجود عند تلاوة هذه الآية ، وقد قدمنا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يسجد في إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [ الانشقاق : 1 ] وفي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ العلق : 1 ] وعن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء » « 2 » أخرجه مسلم .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في المنافقين حديث 38 ، وأحمد في المسند 2 / 370 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الصلاة حديث 215 ، والنسائي في المواقيت باب 35 ، والتطبيق باب 78 ، والترمذي في الدعوات باب 118 ، وأحمد في المسند 2 / 421 .