صديق الحسيني القنوجي البخاري
500
فتح البيان في مقاصد القرآن
كما قال : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ العصر : 2 ، 3 ] أي إلا هؤلاء فلا يردون إلى ذلك . فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي غير مقطوع فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعاتهم . فهذه الجملة على القول الأول مبنية لكيفية حال المؤمنين ، وعلى الثاني مقررة لما يفيده الاستثناء من خروج المؤمنين عن حكم الرد . قال ابن عباس في الآية أجر غير منقوص ، يقول فإذا بلغ المؤمن أرذل العمر وكان يعمل في شبابه عملا صالحا كتب له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته وشبابه ولم يضره ما عمل في كبره ، ولم تكتب عليه الخطايا التي يعمل بعد ما يبلغ أرذل العمر ، وعنه قال من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر . وذلك قوله : ثُمَّ رَدَدْناهُ - إلى قوله - الصَّالِحاتِ قال لا يكون حتى لا يعلم من بعد علم شيئا ، وعنه قال يقول إلى الكبر وضعفه فإذا كبر وضعف عن العمل كتب له مثل أجر ما كان يعمل في شبيبته . وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن أبي موسى قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا مرض العبد وسافر كتب اللّه له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحا مقيما » « 1 » . فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ الخطاب للإنسان الكافر والاستفهام للتقريع والتوبيخ ولإلزام الحجة أي إذا عرفت أيها الإنسان أن اللّه خلقك في أحسن تقويم وأنه يردك أسفل سافلين ، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء ، وعليه ينبغي أن يذهب إلى الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لما جرى من قوله لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وعليه جرى في الكشاف . وقيل الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أي أي شيء يكذبك يا محمد بعد ظهور هذه الدلائل الناطقة فاستيقن مع ما جاءك من اللّه أنه أحكم الحاكمين ، وإلى هذا ذهب القاضي وقدمه على القول الأول . قال الفراء المعنى فمن يكذبك يا أيها الرسول بعد هذا البيان بالدين كأنه قال من يقدر على ذلك أي على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما ظهر من قدرتنا على خلق الإنسان ما ظهر ، واختار هذا ابن جرير ، والدين الجزاء . أَ لَيْسَ اللَّهُ أي أليس الذي فعل ما فعل مما ذكرنا بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ صنعا وتدبيرا ، وأقضى القاضين وأصحهم وأنفذهم حكما وقضاء حتى تتوهم عدم الإعادة والجزاء ، وفيه وعيد شديد للكفار ، والمعنى اتقن الحاكمين في كل ما يخلق ، وقيل
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد باب 134 ، وأحمد في المسند 4 / 410 ، 418 .