صديق الحسيني القنوجي البخاري
50
فتح البيان في مقاصد القرآن
وفي الباب أحاديث مسندة ومرسلة ، متضمنة لبيان هذه القصة ، وأن هذه الآيات إلى قوله ، قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ ، نازلة في ذلك ولما فرغ سبحانه من النهي عن موالاة المشركين ، والذم لمن وقع منه ذلك ضرب لهم إبراهيم مثلا حين تبرأ من قومه فقال : [ سورة الممتحنة ( 60 ) : الآيات 4 إلى 7 ] قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( 4 ) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 5 ) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 6 ) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 7 ) قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أي خصلة حميدة تقتدون بها ، يقال : لي به أسوة في هذا الأمر . أي اقتداء ، فأرشدهم سبحانه إلى الاقتداء بإبراهيم في ذلك إلا في استغفاره لأبيه ، قرأ الجمهور أسوة بكسر الهمزة ، وقرأ بضمها وهما لغتان ، وقراءتان سبعيتان ، وأصل الأسوة بالضم والكسر القدوة ، ويقال : هو أسوتك أي مثلك وأنت مثله فِي إِبْراهِيمَ أي في أفعاله وأقواله ، وفي متعلقة بأسوة ، ومنعه أبو البقاء ، أو بحسنة أو نعت ثان لأسوة أو حال من الضمير المستتر في حسنة أو خبر لكان ، ولكم تبيين وَالَّذِينَ مَعَهُ هم أصحابه المؤمنون ، وقال ابن زيد : هم الأنبياء قال الفراء : يقول : أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم ؟ فتتبرأ من أهلك كما تبرأ إبراهيم من أبيه وقومه ؟ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ خبر كان أو متعلق بخبرها قالهما أبو البقاء ، ومن جوز في كان أن تعمل في الظرف علقه بها ، هذا ما في السمين ، وقال الحفناوي : الظرف بدل اشتمال من إبراهيم والذين معه وهذا أحسن الأعاريب المذكورة هنا ، والمعنى وقت قولهم لقومهم الكفار وقد كانوا أكثر من عدوكم وأقوى ولهم فيهم أرحام وقرابات ، ومع ذلك لم يبالوا بهم ، بل قالوا : إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ أي من دينكم جمع بريء مثل شركاء جمع شريك ، وظرفاء جمع ظريف ، قرأ الجمهور بضم الباء وفتح الراء وألف بين همزتين ككرماء في كريم وقرىء بكسر الباء وفتح الراء ككرام في كريم وبضم الباء وهمزة بعد ألف . وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهي الأصنام كَفَرْنا بِكُمْ أي بما آمنتم به من
--> - في فضائل الصحابة حديث 161 ، وأبو داود في الجهاد باب 98 ، والترمذي في تفسير سورة 60 ، باب 1 ، وأحمد في المسند 1 / 79 .