صديق الحسيني القنوجي البخاري

51

فتح البيان في مقاصد القرآن

الأوثان أو بدينكم أو بأفعالكم أي لا نعتد بشأنكم ولا بشأن آلهتكم وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ بالأفعال وَالْبَغْضاءُ بالقلوب أَبَداً أي هذا دأبنا معكم ما دمتم على كفركم حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك ، فإذا فعلتم ذلك صارت تلك العداوة موالاة والبغضاء محبة إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ هو الاستثناء متصل من قوله في إبراهيم بتقدير مضاف محذوف ليصح الاستثناء أي قد كانت لكم أسوة حسنة في مقالات إبراهيم كلها ، إلا قوله لأبيه الخ أو من أسوة حسنة ، وصح ذلك لأن القول من جملة الأسوة ، كأنه قيل : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم في جميع أقواله وأفعاله ، إلا قوله لأبيه ، وهذا عندي واضح غير محوج إلى تقدير مضاف ، وغير مخرج للاستثناء من الاتصال الذي هو أصله ، إلى الانقطاع ، ولذلك لم يذكر الزمخشري غيره ، أو من التبري والقطيعة التي ذكرت أي لم يواصله إلا قوله ، ذكر هذا ابن عطية أو هو منقطع أي لكن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن فلا تتأسوا به فتستغفرون للمشركين فإنه كان عن موعدة وعدها إياه أو أن ذلك إنما وقع منه لأنه ظن أنه قد أسلم ، فلما تبين له أنه عدو للّه تبرأ منه ، وقد تقدم تحقيق هذا في سورة براءة . قال ابن عباس في الآية : نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه وهو مشرك . وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ هذا من تمام القول المستثنى يعني ما أغني عنك وما أدفع عنك من عذاب اللّه وثوابه شيئا والجملة في محل نصب على الحال من فاعل لأستغفرن ، فالاستثناء متوجه إلى الاستغفار لا إلى هذا القيد ، فإنه إظهار للعجز ، وتفويض للأمر إلى اللّه ، وذلك من خصال الخير رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ هذا من دعاء إبراهيم وأصحابه ، ومما فيه أسوة حسنة يقتدي به فيها ، وقيل : هو تعليم للمؤمنين أن يقولوا هذا القول والتوكل هو تفويض الأمور إلى اللّه والإنابة الرجوع ، والمصير المرجع . وتقديم الجار والمجرور لقصر التوكل والإنابة والمصير على اللّه . رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا الظاهر أنه دعاء متعدد لا ارتباط لكلّ بسابقة كالجمل المعدودة ، وليس هو وما بعده بدلا مما قبله كما قيل ، لعدم اتحاد المعنيين لا كلّا ولا جزءا ، ولا ملابسة بينهما سوى الدعاء قال الزجاج : لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتنوا بذلك ، وقال مجاهد : لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا : لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم ذلك ، وبه قال ابن عباس : وقال أيضا : لا تسلطهم علينا فيفتنونا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ أي الغالب الذي لا يغالب الْحَكِيمُ ذو الحكمة البالغة في ملكه وصنعه . لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أي في إبراهيم والذين معه في التبري من الكفار أُسْوَةٌ أي قدوة حَسَنَةٌ كرر هذا للمبالغة في التحريض على الحكم والتأكيد على الائتساء بإبراهيم وقومه ، ولهذا جاء به مصدّرا بالقسم لأنه الغاية في التأكيد . وقيل : إن هذا