صديق الحسيني القنوجي البخاري

49

فتح البيان في مقاصد القرآن

الشرط ، أو على جملة الشرط والجزاء ، ورجحه أبو حيان على غيره من الاحتمالات ، والمعنى أنهم تمنوا ارتدادكم وودوا رجوعكم إلى الكفر . لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ أي لا ينفعكم القرابات على عمومها ولا الأولاد ، وخصهم بالذكر مع دخولهم في الأرحام لمزيد المحبة لهم والحنو عليهم ، والمعنى أن هؤلاء لا ينفعونكم شيئا يوم القيامة حتى توالوا الكفار لأجلهم كما وقع في قصة حاطب بن أبي بلتعة ، بل الذي ينفعكم ما أمركم اللّه به من معاداة الكفار ، وترك موالاتهم ، وجملة : يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ مستأنفة لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد في ذلك اليوم ، والمعنى يفرق بينكم فيدخل أهل طاعته الجنة وأهل معصيته النار ، وقيل : المراد بالفصل بينهم أنه يفر كل واحد منهم من الآخر من شدة الهول كما في قوله : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ [ عبس : 34 ] الآية . ويجوز أن يتعلق يوم القيامة ، أي لن ينفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة ، ويبتدأ بقوله : يفصل بينكم ، والأولى أن يتعلق يوم القيامة بما بعده ، كما ذكرنا قرأ الجمهور يفصل بالتخفيف وبضم الياء وفتح الصاد مبنيا للمفعول واختار هذه القراءة أبو عبيد ، وقرىء بفتح الياء وكسر الصاد مبنيا للفاعل وقرىء بضم الياء وفتح الفاء وكسر الصاد مشددة من التفصيل ، وقرىء بضم الياء وكسر الصاد مخففة ، وقرىء بالنون وكلها سبعية . وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم ، فهو مجازيكم على ذلك ، وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن علي بن أبي طالب قال : « بعثني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنا والزبير والمقداد ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها فأتوني به ، فخرجنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة ، قلنا : أخرجي الكتاب ، قالت : ما معي من كتاب ، فقلنا ، لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب فأخرجته من عقاصها ، فأتينا النبي صلى اللّه عليه وسلم فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة ، يخبرهم ببعض أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : ما هذا يا حاطب ؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول اللّه إني كنت امرأ ملصقا في قريش ، ولم أكن من أنفسها ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم ، أن اصطنع إليهم يدا يحمون بها قرابتي ، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : صدق ، فقال عمر : دعني أضرب عنقه ، فقال : إنه شهد بدرا وما يدريك ؟ لعل اللّه اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » « 1 » ، ونزلت هذه الآية .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد باب 141 ، وتفسير سورة 60 ، باب 1 ، والمغازي باب 46 ، ومسلم -