صديق الحسيني القنوجي البخاري
440
فتح البيان في مقاصد القرآن
وروي عن الأصمعي أنه قال : من قرأ خلقت بالتخفيف عنى به البعير ، ومن قرأ بالتشديد عنى به السحاب . قال أبو السعود : بدأ بالإبل لكثرة منافعها كأكل لحمها وشرب لبنها والحمل عليها والتنقل عليها إلى البلاد البعيدة ، وعيشها بأي نبات أكلته كالشجر والشوك وصبرها على العطش عشرة أيام فأكثر ، وطواعيتها لكل من قادها ولو صبيا صغيرا ونهوضها وهي باركة بالأحمال الثقيلة وتأثرها بالصوت الحسن مع غلظ أكبادها ولا شيء من الحيوان جمع هذه الأشياء غيرها ولكونها أفضل ما عند العرب جعلوها دية القتل . والإبل اسم جمع لا واحد له من لفظه وإنما واحدة بعير وناقة وجمل . وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ فوق الأرض بلا عمد على وجه لا يناله الفهم ولا يدركه العقل وقيل رفعت فلا ينالها شيء . وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ على وجه الأرض مرساة راسخة لا تميد ولا تميل ولا تزول وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ أي بسطت ، والسطح بسط الشيء يقال لظهر البيت إذا كان مستويا سطح ، قرأ الجمهور مبنيا للمفعول مخففا ، وقرأ الحسن : مشددا ، وقرأ علي بن أبي طالب وغيره خلقت ورفعت ونصبت وسطحت على البناء للفاعل وضم التاء فيها كلها . قال المحلي قوله سطحت ظاهر في أن الأرض سطح ، وعليه علماء الشرع لا كرة كما قاله أهل الهيئة وإن لم ينقض ركنا من أركان الشرع . قال الكرخي هي كرة بطبعها وحقيقتها لكن اللّه أخرجها عن طبعها بفصله وكرمه بتسطيح بعضها لإقامة الحيوانات عليها فأخرجها عما يقتضيه طبعها انتهى . وفي التكميل للشيخ رفيع الدين ابن ولي اللّه الدهلوي رحمه اللّه : أهل الشرائع يفهمون من مثل قوله تعالى : الْأَرْضَ فِراشاً [ البقرة : 22 ] و دَحاها [ النازعات : 30 ] و سُطِحَتْ أنها سطح مستو ، والحكماء يثبتون كرويتها بالأدلة الصحيحة فيتوهم الخلاف ، ويدفع بأن القدر المحسوس منها في كل بقعة سطح مستو ، فإن الدائرة كلما عظمت قل انجذاب أجزائها فاستواؤها باعتبار محسوسية ، أجزائها ، وكرويتها باعتبار معقولية جملتها انتهى . ثم لما ذكر تعالى دليل توحيده ولم يعتبروا ولم يتفكروا فيها خاطب نبيه وأمره بأن يذكرهم فقال : فَذَكِّرْ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي فعظهم يا محمد وخوفهم ، ثم علل الأمر بالتذكير فقال : إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ أي ليس عليك إلا ذلك و لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ حتى تكرههم على الإيمان ، ومصيطر بالصاد والسين المسلط على الشيء ليشرف عليه ويتعهد أحواله ، كذا في الصحاح قال ابن عباس أي بجبار ، وعنه