صديق الحسيني القنوجي البخاري
437
فتح البيان في مقاصد القرآن
[ سورة الغاشية ( 88 ) : الآيات 7 إلى 15 ] لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ( 7 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ( 8 ) لِسَعْيِها راضِيَةٌ ( 9 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 10 ) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ( 11 ) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ ( 12 ) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ( 13 ) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ ( 14 ) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ( 15 ) ثم وصف سبحانه الضريع فقال : لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ أي لا يسمن الضريع آكله ولا يدفع عنه ما به من الجوع يعني هما منفعتا الغذاء وكلاهما منتفيان عنه . قال المفسرون : لما نزلت لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ [ الغاشية : 6 ] الخ قال المشركون إن إبلنا تسمن من الضريع فنزلت لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ وكذبوا في قولهم هذا فإن الإبل لا تأكل الضريع ولا تقربه ، وقيل اشتبه عليهم أمره فظنوه كغيره من النبات النافع . قال أبو السعود وتحقيق ذلك أن جوعهم وعطشهم ليسا من قبيل ما هو المعهود منهما في هذه النشأة من حالة عارضة للإنسان عند استدعاء الطبيعة إلى المطعوم والمشروب بحيث يلتذ بهما عند الأكل والشرب ، ويستغنى بهما عن غيرهما عند استقرارهما في المعدة ويستفيد منهما قوة وسمنا عند انهضامهما ، بل جوعهم عبارة عن اضطرارهم عند إضرام النار في أحشائهم إلى إدخال شيء كثيف يملؤها ويخرج ما فيها من اللهب ، وأما أن يكون لهم شوق إلى مطعوم ما أو التذاذ به عند الأكل واستغناء به عن الغير أو استفادة قوة فهيهات . وكذا عطشهم عبارة عن اضطرارهم عند أكل الضريع والتهابه في بطونهم إلى شيء مائع بارد يطفئه من غير أن يكون لهم التذاذ بشربه أو استفادة قوة في الجملة ، وهو المعنى بما روي أنه تعالى يسلط عليهم الجوع بحيث يضطرهم إلى أكل الضريع . فإذا أكلوه يسلط عليهم العطش فيضطرهم إلى شرب الحميم فيشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم . وتنكير الجوع للتحقير أي لا يغني من جوع ما . ثم شرع سبحانه في بيان حال أهل الجنة بعد الفراغ من بيان حال أهل النار فقال : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ أي ذات نعمة وبهجة في لين العيش ، وهي وجوه المؤمنين صارت ناعمة لما شاهدوا من عاقبة أمرهم وما أعده اللّه لهم من الخير الذي يفوق الوصف ، ومثله قوله : تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [ المطففين : 24 ] والمراد بالوجوه هنا أصحابها كما تقدم . ثم قال : لِسَعْيِها راضِيَةٌ أي لعملها الذي عملته في الدنيا راضية لأنها قد أعطيت من الأجر ما أرضاها وقرت به عيونها . فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ أي عالية المكان مرتفعة على غيرها من الأمكنة أو عالية القدر لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين