صديق الحسيني القنوجي البخاري
438
فتح البيان في مقاصد القرآن
لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً قرأ الجمهور بفتح الفوقية ونصب لاغية أي لا تسمع أنت أيها المخاطب أو لا تسمع تلك الوجوه وقرىء بضم التحتية مبنيا للمفعول ورفع لاغية ، وقرىء بالفوقية مضمومة ورفع لاغية وقرىء بفتح التحتية مبنيا للفاعل ونصب لاغية . واللغو الكلام الساقط . قال الفراء والأخفش : أي لا تسمع فيها كلمة لغو قيل المراد بذلك الكذب والبهتان والكفر ، قاله قتادة وقال مجاهد أي الشتم ، وقال الفراء لا تسمع فيها حالفا يحلف بكذب ، قال الكلبي لا تسمع في الجنة حالفا بيمين برة ولا فاجرة ، وقال الفراء أيضا لا تسمع في كلام أهل الجنة كلمة تلغى لأنهم لا يتكلمون إلا بحكمة وحمد اللّه تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم ، وهذا أرجح الأقوال لأن النكرة في سياق النفي من صيغ العموم ولا وجه لتخصيص هذا بنوع من اللغو خاص إلا بمخصص يصلح للتخصيص . ولاغية إما صفة موصوف محذوف أي كلمة لاغية أو جماعة لاغية أو نفس لاغية أو مصدر أي لا تسمع فيها لغوا قال ابن عباس لا تسمع أذى ولا باطلا . فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ قد تقدم في سورة الإنسان أن فيها عيونا ، والعين هنا بمعنى العيون كما في قوله : عَلِمَتْ نَفْسٌ [ التكوير : 14 ] ومعنى جري العين أنها تجري مياها على وجه الأرض في غير أخدود تتدفق بأنواع الأشربة المستلذة لا ينقطع جريا أبدا ، قال الكلبي لا أدري بماء أو بغيره . فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ أي عالية مرتفعة السمك أو عالية القدر أو شريفة الذات قال ابن عباس بعضها فوق بعض . وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ قد تقدم أن الأكواب جمع كوب وأنه القدح الذي لا عروة له ولا خرطوم أي أنها موضوعة بين أيديهم يشربون منها أو معدة لأهلها أو موضوعة على حافات العين الجارية أو موضوعة عن حد الكبر أي هي أوساط بين الكبر والصغر كقوله : قَدَّرُوها تَقْدِيراً [ الإنسان : 16 ] . وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ هي الوسائد قال الواحدي في قول الجميع واحدتها نمرقة بضم النون وزاد الفراء سماعا عن العرب نمرقة بكسرها وهما لغتان أشهرهما الأولى ، قال الكلبي وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض ، ومنه قول الشاعر : كهول وشبان حسان وجوههم * على سرر مصفوفة ونمارق قال في الصحاح : النمرق والنمرقة وسادة صغيرة وكذلك النمرقة بالكسر لغة حكاها يعقوب وقال ابن عباس : نمارق مجالس ، وعنه قال : مرافق ، وقيل مساند ومطارح أينما أراد أن يجلس جلس على موسدة واستند إلى الأخرى ، قال الواحدي مصفوفة أي فوق الطنافس .