صديق الحسيني القنوجي البخاري
43
فتح البيان في مقاصد القرآن
الامتنان على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأن اللّه سبحانه ثبته لما لا تثبت له الجبال الرواسي ، وقيل الخطاب للأمة . وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فيما يجب عليهم التفكر فيه ليتعظوا بالمواعظ ، وينزجروا بالزواجر ، وفيه توبيخ وتقريع للكفار حيث لم يخشعوا للقرآن ، ولا اتعظوا بمواعظه ، ولا انزجروا بزواجره ، ثم أخبر سبحانه بربوبيته وعظمته فقال : هُوَ أي الذي وجوده من ذاته فلا عدم له بوجه من الوجوه ، فلا شيء يستحق الوصف بهو غيره ، لأنه الموجود دائما أزلا وأبدا ، فهو حاضر في كل ضمير ، غائب بعظمته عن كل حس ، فلذلك تصدع الجبل من خشيته ، ولما عبر عنه بأخص أسمائه أخبر عنه لطفا بنا ، وتنزيلا لنا بأشهرها الذي هو مسمي الأسماء كلها بقوله : اللَّهُ أي المعبود الذي لا تنبغي العبادة والألوهية إلا له الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فإنه لا مجانس له ولا يليق ولا يصح ولا يتصور أن يكافئه أو يدانيه شيء . عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي عالم ما غاب عن الإحساس وما حضر ، وقيل : عالم السر والعلانية وقيل : ما كان وما يكون ، وقيل : الآخرة والدنيا ، وقيل : المعدوم والموجود ، وقدم الغيب على الشهادة لكونه متقدما وجودا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ قد تقدم تفسير هذين الاسمين . هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كرره للتأكيد والتقرير لكون التوحيد حقيقا بذلك الْمَلِكُ الذي لا يزول ملكه المتصرف بالأمر والنهي في جميع خلقه ، المالك لهم فهم تحت ملكه وقهره وإرادته الْقُدُّوسُ أي الطاهر من كل عيب المنزه عن كل نقص ، وقيل : هو الذي كثرت بركته ، والقدس بالتحريك في لغة أهل الحجاز السطل لأنه يتطهر به ، ومنه القادوس لواحد الأواني التي يستخرج بها الماء ، قرأ الجمهور القدوس بضم القاف ، وقرىء بفتحها ، وكان سيبويه يقول : سبوح قدوس بفتح أولهما ، وحكى أبو حاتم عن يعقوب أنه سمع عند الكسائي أعرابيا فصيحا يقرأ القدوس بفتح القاف قال ثعلب : كل اسم على فعول مفتوح الأول إلا السبوح والقدوس ، فإن الضم فيهما أكثر وقد يفتحان . السَّلامُ قال ابن العربي : اتفق العلماء على أن معنى قولنا في اللّه السلام النسبة ، تقديره : ذو السلامة ، ثم اختلفوا في ترجمة النسبة على ثلاثة أقوال : الأول : معناه الذي سلم من كل عيب وبرئ من كل نقص . الثاني : معناه ذو السلام أي المسلم على عباده في الجنة ، كما قال : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] . الثالث : أن معناه الذي سلم الخلق من ظلمه ، وهذا قول الخطابي ، وبه قال