صديق الحسيني القنوجي البخاري

428

فتح البيان في مقاصد القرآن

قيل هو نفي ، وقيل نهي والألف اشباع ، ومنع مكي أن يكون نهيا لأنه لا ينهى عما ليس باختياره ، وهذا غير لازم إذ المعنى أن النهي عن تعاطي أسباب النسيان وهو شائع فسقط ما قاله . قال مجاهد والكلبي كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من آخر الآية حتى يتكلم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بأولها مخافة أن ينساها ، فنزلت هذه الآية فلم ينس شيئا بعد ذلك . وعن ابن عباس « كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يستذكر القرآن مخافة أن ينسى فقيل له قد كفيناك ذلك ، ونزلت هذه الآية » وعن سعد بن أبي وقاص نحوه . وهذه الآية تدل على المعجزة من وجهين : ( الأول ) أنه كان رجلا أميا فحفظه لهذا الكتاب المطول من غير دراسة ولا تكرار خارق للعادة فيكون معجزة . ( الثاني ) أن هذه السورة من أول ما نزل بمكة فهذا إخبار عن أمر عجيب مخالف للعادة سيقع في المستقبل ، وقد وقع فكان هذا إخبارا فيكون معجزا . وقوله : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ استثناء مفرغ من أعم المفاعيل أي لا تنسى مما تقرأه شيئا من الأشياء إلا ما شاء اللّه أن تنساه ، قال ابن عباس يقول إلا ما شئت أنا فأنسيك . قال الفراء وهو لم يشأ سبحانه أن ينسى محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم شيئا كقوله : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [ هود : 107 ] وقيل إلا ما شاء اللّه أن تنسى ثم تذكر بعد ذلك فإذن قد ينسى ولكنه يتذكر ولا ينسى شيئا نسيانا كليا ، وقيل هو بمعنى النسخ أي إلا ما شاء اللّه أن ينسخه مما نسخ تلاوته وحكمه معا ، وأما ما نسخت تلاوته فقط أو حكمه فقط فلا يصح أن تنساه للاحتياج إلى تلاوته في الأول ، وإلى حكمه في الثاني . وقيل المعنى فلا تترك العمل إلا ما شاء اللّه أن تتركه لنسخه ورفع حكمه ، وقيل إلا ما شاء أن يؤخر إنزاله ، والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة والإيذان بدوران المشيئة على عنوان الألوهية المستتبعة لسائر الصفات . إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى تعليل لما قبله أي يعلم ما ظهر وما بطن ، والإعلان والإسرار ، وظاهره العموم فيندرج تحته ما قيل إن الجهر ما حفظه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من القرآن ، وما يخفى هو ما نسخ من صدره ، ويدخل تحته أيضا ما قيل من أن الجهر هو إعلان الصدقة وما يخفى هو اخفاؤها .