صديق الحسيني القنوجي البخاري
429
فتح البيان في مقاصد القرآن
ويدخل تحته أيضا ما قيل إن الجهر جهره صلى اللّه عليه وسلم بالقرآن مع قراءة جبريل مخافة أن يتلفت عليه ، وما يخفى ما في نفسه مما يدعوه إلى الجهر . [ سورة الأعلى ( 87 ) : الآيات 8 إلى 19 ] وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى ( 8 ) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ( 9 ) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى ( 10 ) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ( 11 ) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ( 12 ) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ( 13 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ( 15 ) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 17 ) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ( 18 ) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى ( 19 ) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى معطوف على سنقرئك كما ينبئ عنه الالتفات إلى الحكاية فهو داخل في حيز التنفيس ، وما بينهما اعتراض وارد للتعليل . قال مقاتل : أن نهون عليك عمل الجنة ، وقيل نوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل ، وقيل للشريعة اليسرى وهي الحنيفية السهلة السمحة البيضاء التي ليلها كنهارها ، وقيل نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به . والأولى حمل الآية على العموم أي نوفقك للطريقة اليسرى في الدين والدنيا في كل أمر من أمورهما التي تتوجه إليك ، ولهذه النكتة قال : نُيَسِّرُكَ ولم يقل نيسر لك أي لإفادة أنك موفق لها ، وقال ابن عباس لليسرى للخير ، وقال ابن مسعود للجنة . فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أي عظ يا محمد الناس بما أوحينا إليك وأرشدهم إلى سبل الخير ، واهدهم إلى شرائع الدين ، قال الحسن تذكرة للمؤمن وحجة على الكافر . قال الواحدي : إن نفعت أو لم تنفع ، لأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بعث مبلغا للإعذار والإنذار فعليه التذكير في كل حال نفع أو لم ينفع ، ولم يذكر الحالة الثانية كقوله : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] : قال الجرجاني : التذكير واجب وإن لم ينفع فالمعنى أن نفعت الذكرى أو لم تنفع ، وقيل إنه مخصوص في قوم بأعيانهم ، وقيل إن بمعنى ما أي فذكر ما نفعت الذكرى لأن الذكرى نافعة بكل حال وقيل إنها بمعنى ( قد ) ذكره ابن خالويه وهو بعيد جدا ، وقيل إنها بمعنى إذ . وما قاله الواحدي والجرجاني أولى وقد سبقهما إلى القول به الفراء والنحاس والزهراوي قال الرازي : قوله : إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى للتنبيه على أشرف الحالين وهو وجود النفع الذي لأجله شرعت الذكرى والمعلق بأن على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء ، ويدل عليه آيات منها هذه الآية ، ومنها قوله تعالى : وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [ البقرة : 172 ] ومنها قوله : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ [ النساء : 101 ] فإن القصر جائز عند الخوف وعدمه ،