صديق الحسيني القنوجي البخاري

419

فتح البيان في مقاصد القرآن

والأول أولى لقوله : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ [ الانفطار : 10 ] وقوله : وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً [ الأنعام : 61 ] وقوله : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ [ الرعد : 11 ] والحافظ في الحقيقة هو اللّه عز وجل كما في قوله : فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً [ يوسف : 64 ] وقوله : وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً [ الأحزاب : 52 ] فإن الممكنات كما تحتاج إلى الواجب لذاته في وجودها تحتاج إليه في بقائها ، وحفظ الملائكة من حفظه لأنهم يحفظونه بأمره . فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ الفاء للدلالة على أن كون حافظ على كل نفس يوجب على الإنسان أن يتفكر في مبتدأ خلقه ليعلم قدرة اللّه على ما هو دون ذلك من البعث ، قال مقاتل يعني المكذب بالبعث مِمَّ خُلِقَ أي من أي شيء خلقه اللّه ، والمعنى فلينظر نظر التفكر والاستدلال حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته . ثم بيّن سبحانه ذلك فقال : خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر ، والماء هو المني والدفق الصب ، يقال دفقت الماء أي صببته ويقال ماءٍ دافِقٍ أي مدفوق مثل عِيشَةٍ راضِيَةٍ [ الحاقة : 21 ] أي مرضية . قال الفراء والأخفش : أي مصبوب في الرحم ، قال الفراء وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم كقولهم سر كاتم أي مكتوم وهم ناصب أي منصوب وليل نائم ونحو ذلك . قال الزجاج : من ماء ذي اندفاق يقال دارع وقايس ونابل أي ذو درع وقوس ونبل ، يعني من صيغ النسب كلابن وتأمر ، وهو صادق على الفاعل والمفعول أو هو مجاز في الإسناد ، فأسند إلى الماء ما لصاحبه مبالغة أو هو استعارة مكنية وتخييلية أو مصرحة بجعله دافقا لأنه لتتابع قطراته كأنه يدفق بعضه بعضا أي يدفعه كما أشار له ابن عطية . وأراد سبحانه ماء الرجل والمرأة لأن الإنسان مخلوق منهما لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما . [ سورة الطارق ( 86 ) : الآيات 7 إلى 17 ] يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ( 8 ) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ( 9 ) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ ( 10 ) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ( 11 ) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ( 12 ) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ( 13 ) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ ( 14 ) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ( 15 ) وَأَكِيدُ كَيْداً ( 16 ) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ( 17 ) ثم وصف هذا الماء فقال : يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ أي صلب الرجل وترائب المرأة وهي جمع تريبة وهي موضع القلادة من الصدر ، والولد لا يكون إلا من الماءين ، قرأ الجمهور يخرج مبنيا للفاعل وقرىء مبنيا للمفعول ، وفي الصلب وهو الظهر لغات قرأ الجمهور بضم الصاد وسكون اللام ، وقرأ أهل مكة بضمهما ، وقرأ