صديق الحسيني القنوجي البخاري

413

فتح البيان في مقاصد القرآن

إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ أي حرقوهم بالنار ، والعرب تقول فتنت الشيء أي أحرقته وفتنت الدرهم والدينار إذا أدخلته النار لتنظر جودته ، ويقال دينار مفتون ويسمى الصائغ الفتان ، ومنه قوله : يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [ الذاريات : 13 ] أي يحرقون وقيل معنى فتنوا المؤمنين محنوهم في دينهم ليرجعوا عنه . قال الرازي : ويحتمل أن يكون المراد كل من فعل ذلك ، قال وهذا أولى ، لأن اللفظ عام والحكم بالتخصيص ترك للظاهر من غير دليل ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا من قبح صنعهم ولم يرجعوا عن كفرهم وفتنتهم فَلَهُمْ في الآخرة عَذابُ جَهَنَّمَ بسبب كفرهم وَلَهُمْ عذاب آخر زائد على عذاب كفرهم وهو عَذابُ الْحَرِيقِ الذي وقع منهم للمؤمنين . وقيل إن الحريق اسم من أسماء النار كالسعير وقيل إنهم يعذبون في جهنم بالزمهرير ، ثم يعذبون بعذاب الحريق فالأول عذاب ببردها ، والثاني عذاب بحرها . وقال الربيع بن أنس : إن عذاب الحريق أصيبوا به في الدنيا ، وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم ، وبه قال الكلبي ، ومفهوم الآية أنهم لو تابوا لخرجوا من هذا الوعيد ، وإنما عبر سبحانه بأداة التراخي لأن التوبة مقبولة قبل الغرغرة ولو طال الزمان . ثم لما ذكر سبحانه وعيد المجرمين أتبعه بذكر ما أعده للمؤمنين الذين أحرقوا بالنار فقال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وظاهر الآية العموم فيدخل في ذلك المحرقون في الأخدود بسبب إيمانهم دخولا أوليا ، والمعنى أن الجامعين بين الإيمان وعمل الصالحات لَهُمْ بسبب الإيمان والعمل الصالح جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي تحت أسرتها وغرفها وجميع أماكنها الْأَنْهارُ يتلذذون ببردها في نظير ذلك الحر الذي صبروا عليه في الدنيا . وقد تقدم كيفية جري الأنهار من تحت الجنات في غير موضع ، وأوضحنا أنه إن أريد بالجنات الأشجار فجري الأنهار من تحتها واضح وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جزئها الظاهر وهو الشجر لأنها ساترة لساحتها وأرضها . ذلِكَ أي ما تقدم ذكره مما أعده اللّه لهم الْفَوْزُ الْكَبِيرُ الذي لا يعدله فوز ولا يقاربه ولا يدانيه ، والفوز الظفر بالمطلوب ، وما في « ذلك » من معنى البعد للإيذان بعلو درجته في الفضل والشرف . إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ بالكفار لَشَدِيدٌ بحسب إرادته قاله الجلال المحلي ، وفيه إشارة إلى الرد على الفلاسفة القائلين بأنه موجب بالذات ، وقد نطق القرآن بأنه فعال لما يريد ، والجملة مستأنفة لخطاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مبينة لما عند اللّه سبحانه من الجزاء لمن عصاه ، والمغفرة لمن أطاعه ، والمعنى أن أخذه تعالى للجبابرة