صديق الحسيني القنوجي البخاري

414

فتح البيان في مقاصد القرآن

والظلمة شديد ، والبطش الأخذ بعنف ، ووصفه بالشدة يدل على أنه قد تضاعف وتفاقم ، ومثل هذا قوله : إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هود : 102 ] . إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ أي يخلق الخلق أولا في الدنيا ويعيدهم أحياء بعد الموت كذا قال الجمهور ، وقيل يبدىء للكفار عذاب الحريق في الدنيا ثم يعيده لهم في الآخرة ، واختار هذا ابن جرير والأول أولى ، وقال ابن عباس : يبدىء العذاب ويعيده انتهى ، ومن كان قادرا على الإيجاد والإعادة إذا بطش كان بطشه في غاية الشدة ، وبهذا ظهر التعليل بهذه الجملة لما سبق من شدة البطش . [ سورة البروج ( 85 ) : الآيات 14 إلى 22 ] وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ( 14 ) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ( 15 ) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 16 ) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ( 17 ) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ( 18 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ( 19 ) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ( 20 ) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( 22 ) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ أي بالغ المغفرة لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها ، بالغ المحبة للمطيعين من أوليائه ، قال مجاهد الواد لأوليائه فهو فعول بمعنى فاعل . وقال ابن زيد معنى الودود الرحيم ، وحكى المبرد عن إسماعيل القاضي أن الودود هو الذي لا ولد له ، وقيل الودود بمعنى المودود أي يوده عباده الصالحون ويحبونه كذا قال الأزهري . قال ويجوز أن يكون فعولا بمعنى فاعل أي يكون محبا لهم ، قال وكلتا الصفتين مدح لأنه جل ذكره إن أحب عباده المطيعين فهو فضل منه ، وإن أحبه عباده العارفون فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه ، قال ابن عباس : الودود الحبيب . وقالت المعتزلة غفور لمن تاب ، وقال أصحاب السنة غفور مطلقا لمن تاب ومن لم يتب ، لأن الآية مذكورة في معرض التمدح بكونه غفورا مطلقا أتم ، فالحمل عليه أولى ، ولأن الغفور صيغة مبالغة فالمناسب أن يحمل على الإطلاق . قاله زاده . ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ قرأ الجمهور برفع المجيد على أنه نعت لذو ، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم قالا لأن المجد هو النهاية في الكرم والفضل ، واللّه سبحانه هو المنعوت بذلك . وقرىء بالجر على أنه نعت للعرش ومجده علوه وعظمته . وقدم وصف سبحانه عرشه بالكرم كما في آخر سورة المؤمنين ، قال ابن عباس : المجيد الكريم ، قيل إن العرش أحسن الأجسام ، وقيل هو نعت لربك ، ولا يضر الفصل بينهما لأنها صفات للّه سبحانه ، وقال مكي : هو خبر بعد خبر . والأول أولى . ومعنى ذو العرش ذو الملك والسلطان كما يقال فلان على سرير ملكه ، وقيل المراد خالق العرش .