صديق الحسيني القنوجي البخاري
410
فتح البيان في مقاصد القرآن
بذلك فقال له الراهب إذا قال لك أين كنت فقل عند أهلي ، وإذا قال لك أهلك أين كنت فأخبرهم أني كنت عند الكاهن ، فبينما الغلام على ذلك إذ مر بجماعة من الناس كثير قد حبستهم دابة يقال إنها كانت أسدا فأخذ الغلام حجرا فقال اللهم إن كان ما يقول ذلك الراهب حقا فأسألك أن أقتل هذا الدابة ، وإن كان ما يقول الكاهن حقا فأسألك أن لا أقتلها ، ثم رمى فقتل الدابة فقال الناس من قتلها قالوا الغلام ففزع الناس وقالوا قد علم هذا الغلام علما لم يعلمه أحد ، فسمع أعمى فجاءه فقال له إن أنت رددت عليّ بصري فلك كذا وكذا فقال الغلام لا أريد منك هذا ، ولكن أرأيت إن رجع عليك بصرك أتؤمن بالذي رده عليك قال نعم ، فدعا اللّه فرد عليه بصره فأمن الأعمى فبلغ الملك أمرهم فبعث إليهم فأتى بهم فقال لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله وقتل الآخر بقتلة أخرى ، ثم أمر بالغلام فقال انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا فألقوه من رأسه فانطلقوا به إلى ذلك الجبل فلما انتهوا إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردون حتى لم يبق منهم إلا الغلام ، ثم رجع الغلام فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه ، فانطلقوا به إلى البحر ، فغرّق اللّه الذين كانوا معه وأنجاه ، فقال الغلام للملك إنك لن تقتلني حتى تصلبني وترميني وتقول إذا رميتني بسم اللّه رب الغلام ، فأمر به فصلب ثم رماه وقال بسم اللّه رب الغلام فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يده على موضع السهم ثم مات ، فقال الناس لقد علم هذا الغلام علما ما علمه أحد ، فإنا نؤمن برب هذا الغلام ، فقيل للملك أجزعت أن خالفك ثلاثة فهذا العالم كلهم قد خالفوك ، قال فخذ أخدودا ثم ألقي فيها الحطب والنار ، ثم جمع الناس فقال : من رجع عن دينه تركناه ، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار ، فجعل يلقيهم في تلك الأخدود ، فقال يقول اللّه قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ حتى بلغ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [ إبراهيم : 1 ] فأما الغلام فإنه دفن ثم أخرج فيذكر أنه خرج في زمن عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل « 1 » . ولهذه القصة ألفاظ فيها بعض اختلاف ، وقد رواها مسلم في أواخر الصحيح عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب . وأخرجها أحمد من طريق عفان عن حماد به . وأخرجها النسائي عن أحمد بن سليمان عن حماد بن سلمة به . وأخرجها الترمذي عن محمود بن غيلان وعبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن ثابت به .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزهد حديث 73 ، والترمذي في تفسير سورة 85 ، باب 2 .