صديق الحسيني القنوجي البخاري
40
فتح البيان في مقاصد القرآن
عن علي بن أبي طالب أن رجلا كان يتعبد في صومعة ، وأن امرأة كان لها إخوة فعرض لها شيء فأتوه بها ، فزينت له نفسه فوقع عليها ، فحملت ، فجاءه الشيطان فقال : اقتلها فإنهم إن ظهروا عليك افتضحت ، فقتلها ودفنها ، فجاؤوه فأخذوه فذهبوا به ، فبينما هم يمشون إذ جاءه الشيطان فقال : إني أنا الذي زينت لك فاسجد لي سجدة أنجيك فسجد له ، فذلك قوله : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ الآية أخرجه أحمد في الزهد ، والبخاري في تاريخه ، والحاكم وصححه ، والبيهقي وغيرهم ، قلت : وهذا لا يدل على أن هذا الإنسان هو المقصود بالآية ، بل يدل على أنه من جملة من تصدق عليه ، وقد أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس بأطول من هذا ، وليس فيه ما يدل على أنه المقصود بالآية ، وأخرجه بنحوه ابن جرير عن ابن مسعود ، وعنه قال : ضرب اللّه مثل الكفار والمنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ . فَلَمَّا كَفَرَ أي الإنسان مطاوعة للشيطان وقبولا لتزيينه قالَ الشيطان إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إن أريد بالإنسان الجنس فهذا التبرؤ من الشيطان يكون يوم القيامة ، يتبرأ منه مخافة أن يشاركه في العذاب كما ينبئ عنه قوله : إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ وإن أريد به أبو جهل فقوله : اكفر عبارة عن قول إبليس يوم بدر : لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [ الأنفال : 48 ] وتبرؤه قوله : يومئذ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ ، إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ [ الأنفال : 48 ] الآية وهذا تعليل لبراءته من الإنسان بعد كفره ، قيل : وليس قول الشيطان : إني أخاف اللّه على حقيقته ، إنما هو على وجه التبرؤ من الإنسان كذبا ورياء ، وإلا فهو لا يخاف اللّه ، فهو تأكيد لقوله : إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ قرىء إني بإسكان الياء وبفتحها . فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ أي فكان عاقبة الشيطان وذلك الإنسان الذي كفر أنهما صائران إلى النار خالِدَيْنِ فِيها وقرىء خالدان على أنه خبر أن وَذلِكَ أي الخلود في النار جَزاءُ الظَّالِمِينَ ويدخل هؤلاء فيهم دخولا أوليا ، ثم رجع سبحانه إلى خطاب المؤمنين بالموعظة الحسنة لأن الموعظة بعد المصيبة أوقع في النفس ، لرقة القلوب والحذر مما يوجب العقاب ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أي اتقوا عقابه بفعل ما أمركم به ، وترك ما نهاكم عنه وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ أي لتنظر أي شيء قدمت من الأعمال ليوم القيامة ، والعرب تكني عن الزمان المستقبل بالغد ، وهو في الأصل عبارة عن يوم بينك وبينه ليلة ، وإنما أطلق اسم الغد على يوم القيامة تقريبا له ، كقوله تعالى : وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ [ النحل : 77 ] فكأنه لقربه شبه بما ليس بينك وبينه إلا ليلة واحدة ، أو لأن الدنيا أي زمانها كيوم والآخرة كغده ، لاختصاص كل منهما بأحكام وأحوال