صديق الحسيني القنوجي البخاري

41

فتح البيان في مقاصد القرآن

متشابهة ، وتعقيب الثاني للأول ، فلفظ الغد حينئذ استعارة ، وفائدة تنكير النفس بيان ، أن الأنفس الناظرة في معادها قليلة جدا ، كأنه قيل : ولتنظر نفس واحدة في ذلك ، وأين تلك النفس ؟ وفائدة تنكير الغد تعظيمه ، وإبهام أمره ، كأنه قيل : لغد لا تعرف النفس كنه عظمته ، وهو له . فالتنكير فيه للتعظيم ، وفي النفس للتقليل أو للتعريض بغفلة كلهم عن هذا النظر الواجب أفاده الكرخي . وَاتَّقُوا اللَّهَ كرر الأمر بالتقوى للتأكيد أو الأول في أداء الواجبات لأنه مقرون بالعمل ، فإن ما قدمت لغد عبارة عن أعمال الخير ، والثاني في ترك المحارم ، لاقترانه بقوله : إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ورجح هذا الوجه بفضل التأسيس على التأكيد ، وأنت خبير بأن التقوى تشمل كليهما فإنها على ما مر في أول البقرة هي التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك ، ولا وجه للتوزيع ، بل المقام مقام الاهتمام بأمر التقوى ، فالتأكيد أولى وأقوى ، ذكره الكرخي ، والمعنى لا تخفى عليه من ذلك خافية ، فهو مجازيكم بأعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر . وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ أي تركوا أمره وطاعته ، أو ما قدروه حق قدره أو لم يخافوه أو جميع ذلك فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أي جعلهم ناسين لها بسبب نسيانهم له ، فلم يشتغلوا بالأعمال التي تنجيهم من عذاب اللّه ولم يكفوا عن المعاصي التي توقعهم فيه ، ففي الكلام مضاف محذوف ، أي أنساهم حظوظ أنفسهم أو تقديم خير لأنفسهم قال سفيان : نسوا حق اللّه فأنساهم حق أنفسهم وقيل : نسوا اللّه في الرخاء فأنساهم في الشدائد وقيل نسوا اللّه بترك شكره وتعظيمه فأنساهم أنفسهم أن يذكر بعضهم بعضا حكاه ابن عيسى وقال سهل بن عبد اللّه : نسوا اللّه عند الذنوب فأنساهم أنفسهم عند التوبة ونسب اللّه تعالى الفعل إلى نفسه في أنساهم إيذانا بأن ذلك بسبب أمره ونهيه كقوله : أحمدت الرجل إذا وجدته محمودا وأصل نسوا نسيوا يقال نسي ينسى كرضي يرضى أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي الكاملون في الخروج عن طاعة اللّه . لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ في الفضل والرتبة والمراد الفريقان على العموم فيدخل في فريق أهل النار من نسي اللّه منهم دخولا أوليا ويدخل في فريق أهل الجنة الذين اتقوا دخولا أوليا لأن السياق فيهم ، وقد تقدم الكلام في معنى مثل هذه الآية في سورة المائدة وفي سورة السجدة وفي سورة ص وفيه مزيد الترغيب فيما يزلفهم إلى اللّه ويدخلهم دار كرامته ويجعلهم من أصحابها ومن ثم دق ولطف استدلال الشافعية بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر ، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالاستيلاء ، وحسن كلام القاضي حيث قال : لا يستوي الذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا الجنة ، والذين استمهنوا نفوسهم أي استعملوها في المهنة والشهوات ، فاستحقوا النار ، قاله الكرخي .