صديق الحسيني القنوجي البخاري

39

فتح البيان في مقاصد القرآن

على أمر ، ورأي ، وقلوبهم متفرقة ، فأهل الباطل مختلفة آراؤهم ، مختلفة شهادتهم ، مختلفة أهواؤهم ، وهم يجتمعون في عداوة أهل الحق ، وقرأ ابن مسعود وقلوبهم أشت أي أشد اختلافا ، قال ابن عباس في الآية : هم المشركون ، وهذا تجسير للمؤمنين ، وتشجيع لقلوبهم على قتالهم . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ أي ذلك الاختلاف والتشتت بسبب أنهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ شيئا مما فيه صلاحهم ، فإن تشتيت القلوب يوهن قواهم ، ولو عقلوا لعرفوا الحق واتبعوه كَمَثَلِ أي أن مثل المنافقين واليهود أي بني النضير كمثل الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من كفار المشركين وأهل مكة قَرِيباً يعني في زمان قريب وقيل . يشبهونهم في زمن قريب ، وقيل العامل فيه : ذاقُوا أي ذاقوا في زمن قريب ، أي بين وقعة بدر ووقعة بني النضير نحو سنة ونصف ، لأنها كانت في ربيع الأول من الرابعة ، وبدر كانت في رمضان من الثانية . وَبالَ أَمْرِهِمْ أي سوء عاقبة كفرهم في الدنيا ، بقتلهم يوم بدر . وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر ، قاله مجاهد وغيره ، وقيل : المراد بنو النضير حيث أمكن اللّه منهم ، قاله قتادة : وقيل : قتل بني قريظة ، قاله الضحاك ، وقيل : هو عام في كل من انتقم اللّه منه بسبب كفره ، والأول أولى وَلَهُمْ مع ذلك عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة ، ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلا آخر فقال : [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 16 إلى 20 ] كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 16 ) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 17 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 18 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 19 ) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ( 20 ) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ وقيل : المثل الأول خاص باليهود ، والثاني بالمنافقين أي مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال ، أو تخاذلهم وعدم تناصرهم ، كمثل الشيطان ، والمراد به حقيقته لا شيطان الإنس ، وقيل : الثاني بيان للأول ، ثم بين سبحانه وجه الشبه فقال : إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ أي أغراه بالكفر : وزينه له وحمله عليه ، والمراد بالإنسان هنا جنس من أطاع الشيطان من نوع الإنسان ، كما قال مجاهد : المراد بالإنسان هنا جميع الناس في غرور الشيطان إياهم ، وقيل : هو أبو جهل ، وقيل : هو عابد كان في بني إسرائيل حمله الشيطان على الكفر فأطاعه وهو برصيصا والأول أولى .