صديق الحسيني القنوجي البخاري
387
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ فأخبر بهذا أنه كتاب مرقوم أي مسطور ، قيل هو كتاب جامع لأعمال الشر الصادرة من الشياطين والكفرة والفسقة ، ولفظ سجين علم به . وقال قتادة وسعيد بن جبير ومقاتل وكعب : أنه صخرة تحت الأرض السابعة تقلب فيجعل كتاب الفجار تحتها وبه قال مجاهد فيكون في الكلام على هذا القول مضاف محذوف ، والتقدير محل كتاب مرقوم ، وقال أبو عبيدة والأخفش والمبرد والزجاج : لفي حبس وضيق شديد ، والمعنى كأنهم في حبس جعل ذلك دليلا على خساسة منزلتهم وهوانهم . قال الواحدي ذكر قوم أن قوله : كِتابٌ مَرْقُومٌ تفسير سجين وهو بعيد لأنه ليس السجين من الكتاب في شيء على ما حكيناه عن المفسرين ، والوجه أن يجعل بيانا لكتاب المذكور في قوله : إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ على تقدير هو كتاب مرقوم أي مكتوب قد بينت حروفه انتهى ، والأولى ما ذكرناه . ويكون المعنى أن كتاب الفجار الذين من جملتهم المطففون أي ما يكتب من أعمالهم أو كتابة أعمالهم لفي ذلك الكتاب المدون للقبائح المختص بالشر ، وهو سجين . ثم ذكر ما يدل على تهويله وتعظيمه فقال : وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ثم بينه بقوله كِتابٌ مَرْقُومٌ . قال الزجاج : معنى قوله وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك أي في الدنيا قبل نزول الوحي عليك وإنما علمته بالوحي . قال قتادة : ومعنى مرقوم رقم لهم بشر ، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه كافر وكذا قال مقاتل . وقد اختلفوا في نون سجين فقيل هي أصلية واشتقاقه من السجن وهو الحبس ، وهو بناء مبالغة كخمير وسكير وفسيق من الخمر والسكر والفسق ، وكذا قال أبو عبيدة والمبرد والزجاج ، قال الواحدي : وهذا ضعيف لأن العرب ما كانت تعرف سجينا ، ويجاب عنه بأن رواية هؤلاء الأئمة تقوم بها الحجة وتدل على أنه من لغة العرب ، ومنه قول ابن مقبل : ورفقة يضربون البيض ضاحية * ضربا تواصت به الأبطال سجينا « 1 »
--> ( 1 ) يروى البيت : ورجلة يضربون البيض عن عرض * ضربا تواصت به الأبطال سجّينا والبيت من البسيط ، وهو لابن مقبل في ديوانه ص 333 ، ولسان العرب ( رجل ) ، ( سجل ) ، -