صديق الحسيني القنوجي البخاري
380
فتح البيان في مقاصد القرآن
مقاتل عدل خلقك في العينين والأذنين واليدين والرجلين ، والمعنى عدل بين ما خلق لك من الأعضاء . قرأ الجمهور فعدلك مشددا وقرىء بالتخفيف واختار الأولى أبو عبيد وأبو حاتم قال الفراء وأبو عبيد : يدل عليها قوله : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين : 4 ] ومعنى القراءة الأولى أنه سبحانه جعل أعضاءه متعادلة لا تفاوت فيها ، ومعنى الثانية أنه صرفه وأماله إلى أي صورة شاء إما حسنا وإما قبيحا وإما طويلا وإما قصيرا . فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ في أي صورة متعلق بركبك وما مزيدة وشاء صفة لصورة أي ركبك في أي صورة شاءها ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال أي ركبك حاصلا في أي صورة . ونقل أبو حيان عن بعض المفسرين أنه متعلق بعدلك ، واعترض عليه بأن أي لها صدر الكلام فلا يعمل فيها ما قبلها ، قال مقاتل والكلبي ومجاهد : في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم ، وقال مكحول إن شاء ذكرا وإن شاء أنثى . [ سورة الانفطار ( 82 ) : الآيات 9 إلى 19 ] كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ( 9 ) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ ( 10 ) كِراماً كاتِبِينَ ( 11 ) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ( 12 ) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ( 14 ) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ ( 15 ) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ ( 16 ) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 17 ) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 18 ) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ( 19 ) كَلَّا ردع وزجر عن الاغترار بكرم اللّه وجعله ذريعة إلى الكفر به والمعاصي له أو بمعنى حقا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ اضراب عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض وأنتم لا ترتدعون عن ذلك بل تجاوزونه إلى ما هو أعظم منه من التكذيب بالدين وهو الجزاء أو بدين الاسلام . قال ابن الأنباري : الوقف الجيد على الدين وعلى ركبك ، وعلى كلا قبيح ، والمعنى بل تكذبون يا أهل مكة بالدين أي بالحساب وبل لنفي شيء تقدم ، وتحقيق غيره ، وإنكار البعث قد كان معلوما عندهم وإن لم يجر له ذكر . قال الفراء كلا ليس الأمر كما غررت به ، قرأ الجمهور تكذبون بالفوقية على الخطاب ، وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة بالتحتية على الغيبة . وجملة وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ في محل نصب على الحال من فاعل تكذبون أي تكذبون والحال أن عليكم من يدفع تكذيبكم ، أو مستأنفة مسوقة لبيان ما يبطل تكذيبهم ، والحافظون الرقباء من الملائكة الذين يحفظون على العباد أعمالهم ويكتبونها في الصحف .