صديق الحسيني القنوجي البخاري
381
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال ابن عباس : جعل اللّه على ابن آدم حافظين في الليل والنهار يحفظان عمله ويكتبان أثره . وهذا الخطاب وإن كان مشافهة إلا أن الأمة أجمعت على عموم هذا الخطاب في حق المكلفين . وقوله تعالى لَحافِظِينَ جمع يحتمل أن يكونوا حافظين لجميع بني آدم من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم ، ويحتمل أن يكون الموكل بكل أحد منهم غير الموكل بالآخر ، ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم جمعا ، من الملائكة كما قيل اثنان بالليل واثنان بالنهار أو كما قيل إنهم خمسة ، واختلفوا في الكفار هل عليهم حفظة فقيل لا ، لأن أمرهم ظاهر وعملهم واحد ، قال تعالى : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ [ الرحمن : 41 ] وقيل عليهم حفظة وهو ظاهر قوله تعالى في هذه الآية وفي قوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ [ الانشقاق : 10 ] فأخبر أن لهم كتابا ، وأن عليهم حفظه . ثم وصفهم سبحانه فقال : كِراماً كاتِبِينَ أي أنهم كرام لديه يكتبون ما يأمرهم به من أعمال العباد يَعْلَمُونَ على التجدد والاستقرار ما تَفْعَلُونَ في الآية دلالة على أن الشاهد لا يشهد إلا بعد العلم لوصف الملائكة بكونهم لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ فدل على أنهم يكونون عالمين بها حتى أنهم يكتبونها فإذا كتبوها يكونون عالمين عند أداء الشهادة . قال الرازي : المعنى التعجيب من حالهم كأنه قال إنكم تكذبون بيوم الدين وملائكة اللّه موكلون يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة ونظيره قوله تعالى : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 17 ، 18 ] . وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم لأمر الجزاء وأنه عند اللّه من جلائل الأمور فيه إنذار وتهويل للمجرمين ، ولطف للمتقين ، وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال ما أشدها من آية على الغافلين . ثم بين سبحانه حال الفريقين فقال : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ أي جنة وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ أي نار ، والجملة مستأنفة لتقرير هذا المعنى الذي سيقت له وهي كقوله سبحانه فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [ الشورى : 7 ] . لفظ الفجار عائد على الكافرين الذين تقدم ذكرهم ، وليس شاملا لعصاة المؤمنين ، لأنا لا نسلم أن مرتكب الكبيرة من المؤمنين فاجر على الإطلاق ( فأل ) في الفجار للعهد لا الذكرى بدليل قوله : بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [ الانفطار : 9 ] . يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ صفة لجحيم أو مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ما