صديق الحسيني القنوجي البخاري
360
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال ابن الأنباري : الوقف على كلا قبيح ، والوقف على أمره وأنشره جيد ، وكلا على هذا بمعنى حقا . وقيل المعنى لما يقض جميع أفراد الإنسان ما أمره بل أخل به بعضها بالكفر ، وبعضها بالعصيان ، وما قضى ما أمره اللّه به إلا القليل . وقال بعضهم : ما لابن آدم والفخر ، أوله نطفة مذرة ، وآخره جيفة قذرة ، وهو بينهما حامل عذره . ثم شرع سبحانه في تعداد نعمه على عباده ليشكروها وينزجروا عن كفرانها ، بعد ذكر النعم المتعلقة بحدوثهم فقال : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أي ينظر كيف خلق اللّه طعامه الذي جعله سببا لحياته ، وكيف هيأ له أسباب المعاش يستعد بها للسعادة الأخروية ، قال مجاهد إلى مدخله ومخرجه ، وبه قال ابن الزبير ، والأول أولى ، وعن ابن عباس قال إلى خرئه ، أخرجه ابن أبي الدنيا . ثم بين سبحانه ذلك فقال : أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا قرأ الجمهور إنا بالكسر على الاستئناف ، وقرأ الكوفيون وورش عن يعقوب بالفتح على أنه بدل من طعامه بدل اشتمال لكون نزول المطر سببا لحصول الطعام فهو كالمشتمل عليه أو بتقدير لام العلة ، قال الزجاج الكسر على الابتداء والاستئناف والفتح على معنى البدل من الطعام . والمعنى فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا الماء صبا ، وأراد بصب الماء المطر ، وبه قال ابن عباس ، وقرأ الحسن بن علي رضي اللّه عنهما بالفتح والإمالة . ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ بالنبات الخارج منها بسبب نزول المطر شَقًّا بديعا لائقا بما يخرج منه في الصغر والكبر والشكل والهيئة ، قال ابن عباس شقا عن النبات . قال البيضاوي أسند الشق إلى نفسه تعالى إسناد الفعل إلى السبب ، وتبع في ذلك الزمخشري ، وقد رده في الانتصاف بأنه تعالى موجد الأشياء فالإسناد إليه تعالى حقيقة ، وإنما ذكره الزمخشري اعتزالا فإن أفعال العباد مخلوقة لهم عنده ، ورده المدقق في الكشف بأنه ليس مبنيا على ما ذكر ، بل لأن الفعل إنما يسند حقيقة لمن قام به لا لمن أوجده ، فالاعتراض عليه ناشىء من قلة التدبر ، أفاده الشهاب . ثم بين سبب هذا الشق وما وقع لأجله فقال : فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا يعني الحبوب التي يتغذى بها ، والمعنى أن النبات لا يزال ينمو ويتزايد إلى أن يصير حبا وَ أنبتنا فيها عِنَباً قيل وليس من لوازم العطف أن يقيد المعطوف بجميع ما قيد به المعطوف عليه ، فلا ضير في خلو نبات العنب عن شق الأرض . قلت : بل يمكن التقييد ويكون باعتبار أصل نبات العنب ففيه شق الأرض . وَقَضْباً هو القت الرطب الذي يقضب مرة بعد أخرى تعلف به الدواب ، ولهذا سمي قضبا على مصدر قضبه أي قطعه ، كأنه لتكرر قطعه نفس القطع ، قال