صديق الحسيني القنوجي البخاري
359
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثم ذكر سبحانه ما كان ينبغي لهذا الكافر أن ينظر فيه حتى ينزجر عن كفره ويكف عن طغيانه فقال : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ أي من أي شيء خلق اللّه هذا الكافر ، والاستفهام للتقرير أو تحقير له والأول أظهر ، لأن الاستفهام ذكروا من معانيه التقرير ، لكن التحقير أخص بالمقام ، وجمع بعضهم بينهما فقال الاستفهام هنا لتقرير التحقير ، قال الشهاب ولو قيل إنه للتقرير والتحقير مستفاد من شيء المنكر لكان له وجه . ثم فسر سبحانه ذلك فقال : مِنْ نُطْفَةٍ أي من ماء مهين ، وهذا كمال تحقير له قال الحسن كيف يتكبر من خرج من مخرج البول مرتين . خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ أي فسواه وهيأه لمصالح نفسه ، وخلق له اليدين والرجلين والعينين وسائر الآلات والحواس ، وقيل قدره أطوارا من حال أي حال ، نطفة ثم علقة إلى أن تم خلقه ، والفاء للترتيب في الذكر . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ أي يسره له الطريق إلى الخير والشر ، وقال السدي ومقاتل وعطاء وقتادة يسره للخروج من بطن أمه ، قال بعضهم إن رأس المولود في بطن أمه من فوق ورجليه من تحت فهو في بطن أمه على الانتصاب ، فإذا جاء وقت خروجه انقلب بإلهام من اللّه تعالى ، ذكره الرازي والأول أولى ، ومثله قوله : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [ البلد : 10 ] وانتصاب السبيل بمضمر يدل عليه الفعل المذكور أي يسر السبيل يسره . ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ أي جعله بعد أن أماته ذا قبر يوارى فيه إكراما له ، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله السباع والطير ، كذا قال الفراء ، وقال أبو عبيدة جعل له قبرا وأمر أن يقبر فيه ، وقال أقبره ولم يقل قبره لأن القابر هو الدافن بيده والمقبر هو اللّه تعالى ، ويقال قبر الميت إذا دفنه بيده ، وأقبره إذا أمر غيره أن يجعله في قبر ، وعد الإماتة من النعم لأنها وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم . ثُمَّ إِذا شاءَ إنشاره أَنْشَرَهُ أي أحياه بعد موته ، وعلق الانشار بالمشيئة للدلالة على أن وقته غير متعين بل هو تابع للمشيئة ، وأما سائر الأحوال المذكورة قبل ذلك فإنها تعلم أوقاتها من بعض الوجوه فلم تفوض إلى مشيئته تعالى ، قرأ الجمهور أَنْشَرَهُ وقرىء نشره ، وهما لغتان فصيحتان . كَلَّا ردع وزجر للإنسان الكافر عما هو عليه من التكبر والتجبر والترفع والاصرار على انكار التوحيد والبعث والحساب أي ليس الأمر كما يقول لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ اللّه به من العمل بطاعته واجتناب معاصيه ، وقيل المراد الإنسان على العموم ، وأنه لم يفعل ما أمره اللّه به مع طول المدة لأنه لا يخلو من تقصير ، قال الحسن أي حقا لم يعمل ما أمر به ، وقال ابن فورك : أي كلا لم يقض لهذا الكافر ما أمره به من الاتيان بل أمره بما لم يقض له .