صديق الحسيني القنوجي البخاري
351
فتح البيان في مقاصد القرآن
قرأ الجمهور لمن يرى بالتحتية وقرأت عائشة ومالك بن دينار وعكرمة وزيد بن علي : بالفوقية أي لمن تراه الجحيم ، أو لمن تراه أنت يا محمد ، وقرأ ابن مسعود لمن رأى على صيغة الفعل الماضي . فَأَمَّا مَنْ طَغى أي جاوز الحد في الكفر والمعاصي وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا أي قدمها على الآخرة باتباع الشهوات المحرمات ولم يستعد لها ولا عمل عملها فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى أي مأواه ، والألف واللام عوض عن المضاف إليه ، وهذا عند الكوفيين ، وعند سيبويه وعند البصريين هي المأوى له ، ولا بد من أحد هذين التأويلين في الآية لأجل العائد من الجملة الواقعة خبرا عن المبتدأ الذي هو من طغى ، وحسن عدم ذكر العائد كون الكلمة وقعت فاصلة ورأس آية ، والمعنى أنها منزله الذي ينزله ومأواه الذي يأوي إليه لا غيرها . ثم ذكر القسم الثاني من القسمين فقال : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ أي حذر مقامه بين يدي ربه يوم القيامة لعلمه بالمبدأ والمعاد ، قال الربيع مقامه يوم الحساب ، قال قتادة يقول إن للّه عز وجل مقاما قد خافه المؤمنون ، وقال مجاهد هو خوفه في الدنيا من اللّه عز وجل مواقعة الذنب فيقلع عنه ، نظيره قوله : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] والأول أولى . وَنَهَى النَّفْسَ الإمارة بالسوء عَنِ الْهَوى أي زجرها من الميل إلى المعاصي والمحارم التي تشتهيها ، قال مقاتل هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها ، والهوى ميل النفس إلى شهواتها فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى أي المنزل الذي ينزله والمكان الذي يأوي إليه لا غيرها . يَسْئَلُونَكَ يا محمد ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها أي متى وقوعها وقيامها ، قال الفراء أي منتهى قيامها كرسو السفينة ، قال أبو عبيدة ومرسى السفينة حين تنتهي ، والمعنى يسألونك عن الساعة متى يقيمها اللّه ، وقد مضى بيان هذا في سورة الأعراف . فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها أي في أي شيء أنت يا محمد من ذكر القيامة والسؤال عنها والمعنى لست في شيء من علمها وذكرها إنما يعلمها اللّه سبحانه ، وهو استفهام إنكار ورد لسؤال المشركين عنها أي فيم أنت من ذلك حتى يسألوك عنها ولست تعلمها وأنت آخر الأنبياء وعلامة من علاماتها فلا معنى لسؤالهم عنها فكفاهم ذلك دليلا على دنوها ووجوب الاستعداد لها ، والأول أولى . عن علي بن أبي طالب قال : « كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يسأل عن الساعة فنزلت فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها أخرجه ابن مردويه .