صديق الحسيني القنوجي البخاري

350

فتح البيان في مقاصد القرآن

العظمى التي تطم على سائر الطامات ، فالوصف بالكبرى تأسيس لا تأكيد فهي أكبر من داهية فرعون ، وهي قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] . وهذا شروع في بيان أحوال معادهم إثر بيان أحوال معاشهم ، والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها كما ينبئ عنه لفظ المتاع ، وفي الكرخي وخص ما هنا بالطامة موافقة لما قبله من داهية فرعون ، ولذلك وصفت بالكبرى ، موافقة لقوله : فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى [ النازعات : 20 ] بخلاف ما في عبس فإنه لم يتقدمه بشيء من ذلك فخصت بالصاخة وإن شاركت الطامة في أنها النفخة الثانية لأنها الصوت الشديد والصوت يكون بعد الطم فناسب جعل الطم للسابقة ، والصخ للاحقة انتهى . قال الحسن وغيره : هي النفخة الثانية ، وقال الضحاك وغيره : هي القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كل شيء لعظم هولها قال المبرد : الطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع ، وإنما أخذت فيما أحسب من قولهم طم الفرس طميما إذا استفرغ جهده في الجري ، وطم الماء إذا ملأ النهر كله . وقال غيره هو من طم السيل الركية أي دفنها ، والطم الدفن . قال مجاهد وغيره : الطامة الكبرى هي التي تسلم أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار ، قال ابن عباس : الطامة اسم من أسماء يوم القيامة ، وجواب « إذا » قيل هو قوله : فَأَمَّا مَنْ طَغى وقيل محذوف أي فإن الأمر كذلك أو عاينوا أو عملوا أو أدخل أهل النار النار ، وأهل الجنة الجنة ، وقدره بعضهم بقوله كان من عظائم الشؤون ما لم تشاهده العيون . وقال أبو البقاء العامل فيها جوابها وهو معنى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى لأنه منصوب بفعل مضمر أي أعني يوم يتذكر أو يوم يتذكر بكون كيت وكيت ، وقيل إن الظرف بدل من « إذا » وقيل هو بدل من الطامة الكبرى ، ومعنى تذكر الإنسان ما سعى أنه يتذكر ما عمله من خير أو شر لأنه يشاهده مدونا في صحائف أعماله ، و « ما » مصدرية أو موصولة . وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى معطوف على جاءَتِ أي أظهرت النار المحرقة إظهارا بينا مكشوفا لا تخفى على أحد ، قال مقاتل فكشف عنها الغطاء فينظر إليها الخلق ، وقيل لمن يرى من الكفار لا من المؤمنين . والظاهر أنها تبرز لكل راء ، فأما المؤمن فيعرف برؤيتها قدر نعمة اللّه عليه بالسلامة منها ، وأما الكافر فيزداد غما إلى غمه وحسرة إلى حسرته .