صديق الحسيني القنوجي البخاري
324
فتح البيان في مقاصد القرآن
[ الأعراف : 185 ] أي بعد هذا الحديث وهو القرآن وكانوا يتجادلون فيه ويتساءلون عنه فقال : عَمَّ يَتَساءَلُونَ . ثم ذكر سبحانه تساؤلهم عما ذا وبينه فقال : عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ أورده سبحانه أولا على طريقة الاستفهام مبهما لتتوجه إليه أذهانهم ، وتلتفت إليه أفهامهم ، ثم بينه بما يفيد تعظيمه وتفخيمه ، كأنه قيل عن أي شيء يتساءلون ، هل أخبركم به ، ثم قيل بطريق الجواب عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ على منهاج قوله : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر : 16 ] وإنما كان ذلك النبأ أي القرآن عظيما لأنه ينبئ عن التوحيد وتصديق الرسول ، ووقوع البعث والنشور . وقال الضحاك : يعني نبأ يوم القيامة وكذا قال قتادة . وقد استدل على أن النبأ هو القرآن بقوله الآتي : الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ فإنهم اختلفوا في القرآن فجعله بعضهم سحرا وبعضهم شعرا وبعضهم كهانه وبعضهم قال هو أساطير الأولين ، وأما البعث فقد اتفق الكفار إذ ذاك على إنكاره ، ويمكن أن يقال إنه قد وقع الاختلاف في البعث في الجملة فصدق به المؤمنون ، وكذب به الكافرون ، فقد وقع الخلاف فيه من هذه الحيثية وإن لم يقع الاختلاف فيه بين الكفار أنفسهم على التسليم والتنزل . ومما يدل على أنه القرآن قوله سبحانه : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ ص : 67 ، 68 ] ومما يدل على أنه البعث أنه أكثر ما كان يستنكره المشركون وتأباه عقولهم السخيفة . وأيضا فطوائف الكفار قد وقع الاختلاف بينهم في البعث فأثبتت النصارى المعاد الروحاني ، وأثبتت طائفة من اليهود المعاد الجسماني ، وفي التوراة التصريح بلفظ الجنة باللغة العبرانية بلفظ جنعيذا بجيم مفتوحة ثم نون ساكنة ثم عين مهملة مكسورة ثم تحتية ساكنة ثم ذال معجمة بعدها ألف ، وفي الإنجيل في مواضع كثيرة التصريح بالمعاد ، وأنه يكون فيه النعيم للمطيعين ، والعذاب للعاصين . وقد كان بعض طوائف كفار العرب ينكر المعاد كما حكى اللّه عنه بقوله : ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [ الجاثية : 24 ] وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [ الأنعام : 29 ] وكانت طائفة منهم غير جازمة بنفيه بل شاكة فيه كما حكى اللّه عنهم بقوله : إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [ الجاثية : 32 ] وما حكاه اللّه عنهم بقوله : وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى [ الكهف : 36 ] فقد حصل الاختلاف بين طوائف الكفر على هذه الصفة . وقد قيل إن الضمير في قوله يتساءلون يرجع إلى المؤمنين والكفار لأنهم جميعا