صديق الحسيني القنوجي البخاري

325

فتح البيان في مقاصد القرآن

كانوا يتساءلون عنه : فأما المسلم فيزداد يقينا واستعدادا وبصيرة في دينه ، وأما الكافر فاستهزاء وسخرية . قال الرازي : ويحتمل أنهم يسألون الرسول ويقولون ما هذا الذي تعدنا به من أمر الآخرة ، قال ابن عباس : النبأ العظيم القرآن ، وهذا مروي عن جماعة من التابعين . الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ الموصول صفة للنبأ بعد وصفه بكونه عظيما فهو متصف بالعظم ومتصف بوقوع الاختلاف فيه . كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ردع لهم وزجر ، وهذا يدل على أن المختلفين فيه هم الكفار ، وبه يندفع ما قيل إن الخلاف بينهم وبين المؤمنين ، فإنه إنما يتوجه الردع والوعيد إلى الكفار فقط ، وقيل كلا بمعنى حقا . ثم كرر الردع والزجر فقال : ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ للمبالغة في التأكيد والتشديد في الوعيد ، وقرأ الجمهور بالياء التحتية في الفعلين على الغيبة ، وقرىء بالفوقية على الخطاب ، وقرأ الضحاك الأولى بالفوقية ، وقرأ الثانية بالتحتية ، قال الضحاك أيضا : كَلَّا سَيَعْلَمُونَ يعني الكافرين عاقبة تكذيبهم ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ يعني المؤمنين عاقبة تصديقهم ، وقيل بالعكس ، وقيل هو وعيد بعد وعيد . وقيل : المعنى كَلَّا سَيَعْلَمُونَ عند النزع ما يحل بهم ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ عند البعث لأنه يكشف لهم الغطاء حينئذ ، وقيل الأول للبعث والثاني للجزاء . وقال ابن مالك تأكيد لفظي ولا يضر توسط حرف العطف ، قال السمين : والنحويون يأبون هذا ولا يسمونه إلا عطفا وإن أفاد التأكيد ، قال زاده « ثم » موضوعة للتراخي الزماني وقد تستعمل في التراخي الرتبي كما هنا تشبيها لتباعد الرتبة بتباعد الزمان . ثم ذكر سبحانه بديع صنعه وعظيم قدرته على البعث وأشار إلى الأدلة الدالة عليها وذكر منها تسعة ليعرفوا توحيده ويؤمنوا بما جاء به رسوله فقال : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً أي قدرتنا على هذه الأمور المذكورة أعظم من قدرتنا على الإعادة بالبعث ، فما وجه إنكاركم ، لأنه قد تقرر أن الأجسام متساوية الأقدام في قبول الصفات والأعراض . وهذا الجعل بمعنى الإنشاء والإبداع كالخلق خلا إنه مختص بالإنشاء التكويني ، وفيه معنى التقدير والتسوية ، وهذا عام له كما في الآية الكريمة ، وقيل : الجعل بمعنى التصيير ، والمهاد الوطاء والفراش كما في قوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً [ البقرة : 22 ] قرأ الجمهور بالجمع ، وقرىء مهدا .