صديق الحسيني القنوجي البخاري
309
فتح البيان في مقاصد القرآن
طَوِيلًا أي نزهه عما لا يليق به فيكون المراد الذكر بالتسبيح سواء كان في الصلاة أو في غيرها ، وقيل المراد التطوع في الليل . قال ابن زيد وغيره إن هذه الآية منسوخة بالصلوات الخمس ، وقيل الأمر للندب وقيل هو مخصوص بالنبي صلى اللّه عليه وسلم . وفيه دليل على عدم صحة ما قاله بعض أهل علم المعاني والبيان أن الجمع بين الحاء والهاء مثلا يخرج الكلمة عن فصاحتها وجعلوا من ذلك قول أبي تمام : كريم متى أمدحه أمدحه والورى * معي ، وإذا ما لمته لمته وحدي ويمكن أن يفرق بين ما أنشدوه وبين الآية الكريمة بأن التكرار في البيت هو المخرج له عن الفصاحة بخلاف الآية فإنه لا تكرار فيها ذكره السمين . إِنَّ هؤُلاءِ يعني كفار مكة ومن هو موافق لهم يُحِبُّونَ الدار الْعاجِلَةَ وهي دار الدنيا وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا أي يتركون ويدعون خلفهم أو بين أيديهم وأمامهم يوما شديدا عسيرا وهو القيامة ، وسمي ثقيلا لما فيه من الشدائد والأهوال ، ووصفه بالثقل على المجاز لأنه من صفات الأعيان لا المعاني ، ومعنى كونهم يذرونه وراءهم أنهم لا يستعدون له ولا يعبؤون به ، فهم كمن ينبذ وراء ظهره تهاونا به واستخفافا بشأنه ، وإن كانوا في الحقيقة مستقبلين له وهو إمامهم . نَحْنُ خَلَقْناهُمْ أي ابتدأنا خلقهم من تراب ثم من نطفة ثم من مضغة ثم من علقة إلى أن كمل خلقهم ، ولم يكن لغيرنا في ذلك عمل ولا سعي ، لا اشتراكا ولا استقلالا وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ الأسر شدة الخلق يقال شد اللّه أسر فلان أي قوي خلقه ، قال مجاهد وقتادة ومقاتل وغيرهم : شددنا خلقهم ، قال الحسن شددنا وربطنا أوصالهم بعضا إلى بعض بالعروق والعصب . قال أبو عبيدة : يقال فرس شديد الأسر أي الخلق وقال ابن زيد الأسر القوة واشتقاقه من الأسار وهو القد الذي تشد به الأقتاب ، قال ابن عباس : أسرهم خلقهم وقال أبو هريرة : هي المفاضل ، وقيل المراد بالأسر عجب الذنب لأنه لا يتفتت في القبر والأسر بالضم احتباس البول كالحصر في الغائط . وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا أي لو شئنا لأهلكناهم وجئنا بأطوع للّه منهم ، وقيل المعنى مسخناهم إلى أسمج صورة وأقبح خلقه . إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ يعني أن هذه السورة تذكير وموعظة للخلق لأن في تصفحها تنبيهات للغافلين ، وفي تدبرها وتذكرها فوائد جمة للطالبين السالكين ممن ألقى سمعه وأحضر قلبه ، وكانت نفسه مقبلة على ما ألقى إليه سمعه فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا أي طريقا يتوصل به إليه ، وذلك بالإيمان والطاعة والمراد إلى ثوابه أو إلى