صديق الحسيني القنوجي البخاري
310
فتح البيان في مقاصد القرآن
جنته ، لأنا بينا الأمور غاية البيان وكشفنا اللبس ، وأزلنا جميع موانع الفهم ، فلم يبق مانع من استطراق الطريق غير مشيئة العبد . وَما تَشاؤُنَ أن تتخذوا إلى اللّه سبيلا ، وفيه التفات عن الغيبة في خلقناهم إلى الخطاب ، وقرىء بالياء التحتية لمناسبة قوله خَلَقْناهُمْ . وقوله : إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ منصوب على الظرفية وأصله إلا وقت مشيئة اللّه فالأمر إليه سبحانه ليس إليكم والخير والشر بيده لا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، فمشيئة العبد مجردة لا تأتي بخير ، ولا تدفع شرا وإن كان يثاب على المشيئة الصالحة ويؤجر على قصد الخير كما في حديث « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » « 1 » قال الزجاج أي لستم تشاؤون إلا بمشيئة اللّه ، والآية حجة على المعتزلة والقدرية إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً أي بليغ العلم بما يكون من الأحوال حَكِيماً بليغ الحكمة في أمره ونهيه ، مصيبا في جميع الأقوال والأحوال . يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ أي يدخل في رحمته من يشاء أن يدخله فيها أو يدخل في جنته من يشاء من عباده لأنها برحمته تنال ، وهو حجة على المعتزلة ، قال عطاء من صدقت نيته أدخله اللّه تعالى جنته وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً انتصاب الظالمين بفعل مقدر يدل عليه ما قبله أي يعذب الظالمين لأن ما قبله منصوب أي يدخل من يشاء في رحمته ، ويعذب الظالمين أي المشركين ، ويكون أعد لهم تفسيرا لهذا المضمر والاختيار النصب وإن جاز الرفع ، وبالنصب قرأ الجمهور ، وقرأ أبان بن عثمان بالرفع على الابتداء ، ووجهه أنه لم يكن بعده فعل يقع عليه .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الوحي باب 1 ، والإيمان باب 41 ، والنكاح باب 5 ، والطلاق باب 11 ، والأيمان باب 23 ، والحيل باب 1 ، والعتق باب 6 ، ومسلم في الإمارة حديث 155 ، وأبو داود في الطلاق باب 11 ، والترمذي في فضائل الجهاد باب 16 ، والنسائي في الطهارة باب 59 ، والطلاق باب 24 ، والأيمان باب 19 ، وابن ماجة في الزهد باب 26 ، وأحمد في المسند 1 / 25 ، 43 .