صديق الحسيني القنوجي البخاري
305
فتح البيان في مقاصد القرآن
يهرمون ولا يتغيرون ، وقيل المعنى لا يموتون ، وقيل التخليد التحلية أي محلون . إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً أي إذا نظرت إليهم ظننتهم لمزيد حسنهم وصفاء ألوانهم ونضارة وجوههم ، وانبثاثهم في مجالسهم ، لؤلؤا مفرقا ، قال عطاء يريد في بياض اللون وحسنه ، واللؤلؤ إذا نثر من الخيط على البساط كان أحسن منه منظوما . قال أهل المعاني إنما شبهوا الانتثار لأنهم في الخدمة ولو كانوا صفا لشبهوا بالمنظوم ، قيل إنما شبههم بالمنثور لأنهم سراع في الخدمة بخلاف الحور العين فإنه شبههن باللؤلؤ المكنون لأنهن لا يمتهن بالخدمة . عن أبي عمرو قال : « إن أدنى أهل الجنة منزلا من يسعى عليه ألف خادم كل خادم على عمل ليس عليه صاحبه ، وتلا إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ [ الإنسان : 19 ] . . . الخ » أخرجه ابن المبارك وهناد وعبد بن حميد والبيهقي في البعث . وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ أي وإذا رميت ببصرك هناك يعني في الجنة ، والخطاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو لكل من يدخل الجنة ، وثم ظرف مكان مختص بالبعد ، والعامل فيها رأيت . قال الفراء في الكلام « ما » مضمرة أي وإذا رأيت ما ثم كقوله لقد انقطع بينكم أي ما بينكم . قال الزجاج معترضا على الفراء أنه لا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة ولكن رأيت يتعدى في المعنى إلى ثم ، والمعنى إذا رأيت ببصرك ثم ويعني بثم الجنة ، وقيل إن رأيت ليس له مفعول ملفوظ ولا مقدر ولا منوي بل معناه أن بصرك أينما وقع في الجنة رَأَيْتَ نَعِيماً لا يوصف ، والنعيم سائر ما يتنعم به . وَمُلْكاً كَبِيراً لا يقادر قدره ، قال السدي الملك الكبير استئذان الملائكة عليهم وكذا قال مقاتل والكلبي وقيل واسعا لا غاية له ، وقيل كون التيجان على رؤوسهم كما تكون على رؤوس الملوك وأعظمهم منزلة من ينظر إلى وجه ربه كل يوم . عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ قرأ نافع وحمزة وابن محيصن عاليهم بسكون الياء وكسر الهاء وهي سبعية على أنه خبر مقدم وثياب مبتدأ مؤخر أو على أن عاليهم مبتدأ ثياب مرتفع بالفاعلية وإن لم يعتمد الوصف كما هو مذهب الأخفش ، وقال الفراء : هو مرفوع بالابتداء وخبره ثياب واسم الفاعل مراد به الجمع . وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الهاء لتحرك ما قبلها على أنه ظرف كأنه قيل فوقهم ثياب قال الفراء إن عاليهم بمعنى فوقهم ، وكذا قال ابن عطية . قال أبو حيان عال وعالية اسم فاعل فيحتاج في كونهما ظرفين إلى أن يكون