صديق الحسيني القنوجي البخاري

303

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال أبو علي الفارسي : هو من باب القلب قال لأن حقيقة المعنى أن يقال قدرت عليهم لا قدروها لأنه في معنى قدروا عليها . وقال أبو حاتم التقدير قدرت الأواني على قدر ريّهم ، فمفعول ما لم يسم محذوف . قال أبو حيان والأقرب في تخريج هذه الآية الشاذة أن يقال قدر ريهم منها تقديرا ، فحذف المضاف فصار قدروها . قال المهدوي : هذه القراءة يرجع معناها إلى القراءة الأولى ، وكان الأصل قدروا عليها فحذف حرف الجر ، وقال ابن عباس : قدرت للكف ، وقال أيضا أتوا بها على قدر الفم لا يفضلون شيئا ولا يشتهون بعدها شيئا ، وعنه قال : قدرتها السقاة . [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 17 إلى 23 ] وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً ( 17 ) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً ( 18 ) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً ( 19 ) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ( 20 ) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ( 21 ) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ( 22 ) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً ( 23 ) وَيُسْقَوْنَ أي يسقيهم من أرادوه من خدمهم الذين لا يحصون كثرة فِيها أي في الجنة أو الأكواب كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا قد تقدم أن الكأس هو الإناء الذي فيه الخمر ، وإذا كان خاليا عن الخمر فلا يقال له كأس . والمعنى أن أهل الجنة يسقون في الجنة كأسا من الخمر ممزوجة بالزنجبيل ، وقد كانت العرب تستلذ مزيج الشراب بالزنجبيل لطيب رائحته ، وقال مجاهد وقتادة الزنجبيل اسم للعين التي يشرب بها المقربون ، وقال مقاتل هو زنجبيل لا يشبه الدنيا أي يلدغ الحلق فتصعب إساغته . قلت : وكذلك ما في الجنان من الأشجار والثمار والقصور والنساء والحور والمأكولات والمشروبات والملبوسات لا يشبه ما في الدنيا إلا في مجرد الاسم ، لكن اللّه سبحانه وتعالى يرغب الناس ويطمعهم بأن يذكر لهم أحسن شيء وألذه وأطيبه مما يعرفونه في الدنيا لأجل أن يرغبوا ويسعوا فيما يوصلهم إلى هذا النعيم المقيم . عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا انتصاب عينا على أنها بدل من كأس ويجوز أن تكون منصوبة بفعل مقدر أي يسقون عينا ، ويجوز أن تكون منصوبة بنزع الخافض أي ومن عين ، والسلسبيل الشراب اللذيذ مأخوذ من السلاسة ، تقول العرب هذا شراب سلس وسلسال وسلسبيل أي طيب لذيذ . قال الزمخشري : وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية ودلت على غاية السلاسة ، قال الزجاج السلسبيل في اللغة اسم لماء في غاية