صديق الحسيني القنوجي البخاري
297
فتح البيان في مقاصد القرآن
يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أي أولياؤه أو المؤمنون ، والجملة صفة لعينا ، وقيل الباء في بها زائدة ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة يشربها ، وقيل بمعنى ( من ) قاله الزجاج ، وقيل إن يشرب مضمن معنى يلتذ وقيل هي متعلقة بيشرب والضمير يعود على الكأس ، وقيل إنها حالية أي ممزوجة بها ، وقال الفراء يشربها ويشرب بها سواء في المعنى وكأن يشرب بها يروى بها وينتفع . يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً أي يجرونها إلى حيث يريدون وينتفعون بها كما يشاؤون ويتبعهم ماؤها إلى كل مكان يريدون وصوله إليه ، فهم يشقونها شقا كما يشق النهر ويفجر إلى هنا وهنا ، قال مجاهد : يقودونها حيث شاؤوا وتتبعهم حيث مالوا مالت معهم أي فهي سهلة لا تمتنع عليهم ، والجملة صفة أخرى لعينا . وجملة يُوفُونَ بِالنَّذْرِ مستأنفة مسوقة لبيان ما لأجله رزقوا ما ذكر ، وكذا ما عطف عليها ، ومعنى النذر في اللغة الإيجاب ، والمعنى يوفون بما أوجبه اللّه عليهم من الطاعات ، قال قتادة ومجاهد : يوفون بطاعة اللّه من الصلاة والحج ونحوهما ، وفيه مبالغة في وصفهم بالتوفيق على أداء الواجبات لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه لوجه اللّه تعالى كان بما أوجب اللّه عليه أوفى . وقال عكرمة : يوفون إذا نذروا في حق اللّه سبحانه ، والنذر في الشرع ما أوجبه المكلف على نفسه ، فالمعنى يوفون بما أوجبوه على أنفسهم . قال الفراء : في الكلام إضمار أي كانوا يوفون بالنذر في الدنيا ، وقال الكلبي : يوفون بالنذر أي يتممون العهود لقوله تعالى وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ [ النحل : 91 ] وقوله : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [ المائدة : 1 ] أمروا بالوفاء بهما لأنهم عقدوهما على أنفسهم باعتقادهم الإيمان ، والأولى حمل النذر هنا على ما أوجبه العبد على نفسه من غير تخصيص . وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً المراد يوم القيامة ، ومعنى استطارة شره فشوه وانتشاره غاية الانتشار ، يقال استطار يستطير فهو مستطير ، وهو استفعل من الطيران ، والعرب تقول استطار الصدع في القارورة والزجاجة إذا امتد ويقال استطار الحريق إذا انتشر ، وهو أبلغ من طار ، قال الفراء : المستطير المستطيل ، قال قتادة استطار شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض . قال مقاتل كان شره فاشيا في السماوات فانشقت وتناثرت الكواكب وكورت الشمس والقمر وفزعت الملائكة ، وفي الأرض نسفت الجبال وغارت المياه ، وفي الآية إشارة لحسن عقيدتهم واجتنابهم المعاصي . وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً أي يطعمون هؤلاء الثلاثة