صديق الحسيني القنوجي البخاري
293
فتح البيان في مقاصد القرآن
عند الكائنات قديم بل هو الذكر بمعنى الخطر والشرف كما في قوله وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : 44 ] قال القشيري ما كان مذكورا للّه سبحانه . قال الفراء : كان شيئا ولم يكن مذكورا ، فجعل النفي متوجها إلى القيد وقيل المعنى قد مضت أزمنة وما كان آدم شيئا ولا مخلوقا ولا مذكورا لأحد من الخليقة . وقال مقاتل : في الكلام تقديم وتأخير وتقديره هل أتى حين من الدهر على الإنسان لم يكن شيئا مذكورا لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله ولم يخلق بعده حيوان ، وعن عمر أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية لم يكن شيئا مذكورا فقال عمر ليتها تمت ، يعني ليته بقي على ما كان عليه ، ويروى نحوه عن أبي بكر وابن مسعود ، وقيل المراد بالإنسان جنس الإنسان وهو بنو آدم بدليل قوله . إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فإن المراد بالإنسان هنا بنو آدم ، قال القرطبي من غير خلاف ، والنطفة الماء الذي يقطر ، وهو المني وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة وجمعها نطف أي خلقناه من مادة هي شيء يسير جدا من الرجل والمرأة ، والنطفة ماء الرجل والمرأة وأيضا الماء الصافي قل أو كثر ، ولا فعل للنطفة أي لا يستعمل لها فعل من لفظها . أَمْشاجٍ صفة لنطفة وهي جمع مشج بفتحتين أو مشج كعدل وأعدال أو مشيج كشريف وأشراف وهي الأخلاط ، ووقع الجمع صفة لمفرد لأنه في معنى الجمع أو جعل كل جزء من النطفة نطفة فاعتبر ذلك فوصف بالجمع والمراد نطفة الرجل ونطفة المرأة واختلاطهما يقال مشج هذا بهذا فهو ممشوج أي خلط هذا بهذا فهو مخلوط . قال المبرد مشج يمشج إذا اختلط وهو هنا اختلاط النطفة بالدم ، قال الفراء أمشاج اختلاط ماء الرجل وماء المرأة والدم والعلقة ، ويقال مشج هذا إذا خلط ، وقيل الأمشاج الحمرة في البياض ، والبياض في الحمرة : قال القرطبي : وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة وذلك لأن ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فيخلق منهما الولد ، قيل وما كان من عصب وعظم فمن نطفة الرجل ، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة ، حتى لو زنت المرأة بامرأة واجتمع الماءان في رحم إحداهما خلق الولد بلا عظم ، وقد وقع ذلك في عصر السلطان غياث الدين فلم يدر السلطان ، فجمع الأطباء والعلماء فلم يدركوا شيئا من شأنه فأرسل الاستفتاء إلى علماء ظفرأباد فقال محمد بن الحاج إنه خلق من ماء امرأتين فتفحص السلطان فظهر أنه كذلك ، وقيل الأمشاج أطوار الخلق نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم يكسوه لحما ثم ينشئه خلقا آخر . قال ابن السكيت : الأمشاج الأخلاط لأنها ممتزجة من أنواع يخلق الإنسان منها