صديق الحسيني القنوجي البخاري
294
فتح البيان في مقاصد القرآن
وطباع مختلفة ، وقيل الأمشاج لفظ مفرد كبرمة أعشار ، ويؤيد هذا وقوعه نعتا للنطفة ، قال ابن مسعود : أمشاجها عروقها ، وعن ابن عباس : قال ماء الرجل وماء المرأة حين يختلطان ، وعنه قال : نطفة الرجل بيضاء وحمراء ونطفة المرأة خضراء وحمراء ، وعنه قال : الأمشاج الذي يخرج على أثر البول كقطع الأوتار ، ومنه يكون الولد . وجملة نَبْتَلِيهِ في محل نصب على الحال من فاعل خلقنا أي مريدين ابتلاءه حين تأهله ويجوز أن يكون حالا من الإنسان ، والمعنى نبتليه بالخير والشر والتكاليف قال الفراء معناه واللّه أعلم فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً نبتليه وهي مقدمة معناها التأخير ، لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة ، وعلى هذا هذه حال مقدرة وقيل مقارنة . وقال الكرخي : لا حاجة إلى دعوى التقديم والتأخير مع صحة المعنى بدونه ، وقيل معنى الابتلاء نقله من حال إلى حال على طريقة الاستعارة والأول أولى ، والمراد بالسمع والبصر الحاستان المعروفتان ، وخصهما بالذكر لأنهما أعظم الحواس وأشرفها قال الخطيب أي جعلناه عظم السمع والبصر والبصيرة ليتمكن من مشاهدة الدلائل ببصره ، وسماع الآيات بسمعه ومعرفة الحجج ببصيرته فيصح تكليفه وابتلاؤه ، وقدم السمع لأنه أنفع في المخاطبات ، ولأن الآيات المسموعة أبين من الآيات المرئية وقيل المراد بالسميع المطيع كقولهم سمعا وطاعة ، وبالبصير العالم يقال لفلان بصر في هذا الأمر أي علم ، والأول أولى . ثم ذكر سبحانه أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء فقال : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً أي بينا له وعرفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر بأدلة السمع والعقل ، كما في قوله وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [ البلد : 10 ] قال مجاهد : أي بينا السبيل إلى الشقاوة وإلى السعادة ، وقال الضحاك والسدي وأبو صالح : السبيل هنا خروجه من الرحم ، وقيل منافعه ومضاره التي يهتدى إليها بطبعه وكمال عقله ، وانتصاب شاكرا وكفورا على الحال من مفعول هديناه أي مكناه من سلوك الطريق في حالتيه جميعا ، وقيل على الحال من السبيل على المجاز أي عرفناه السبيل إما سبيلا شاكرا وإما سبيلا كفورا . وحكى مكي عن الكوفيين إن قوله إما هي إن الشرطية زيدت بعدها ما أي بينا له الطريق إن شكر وإن كفر ، واختار هذا الفراء ولا يجيزه البصريون لأن إِنَّ الشرطية لا تدخل على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل ، ولا يصح هنا إضمار الفعل لأنه كان يلزم رفع شاكرا وكفورا ، ويمكن أن يضمر فعل ينصب شاكرا وكفورا وتقديره إن خلقناه شاكرا فشكورا ؛ وإن خلقناه كافرا فكفورا ، وهذا على قراءة الجمهور إِمَّا بكسر الهمزة وقرأ أبو السماك وأبو العجاج بفتحها وعلى الفتح هي إما العاطفة في