صديق الحسيني القنوجي البخاري
292
فتح البيان في مقاصد القرآن
لا تسمعون أطت السماء ويحق لها أن تئط ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا للّه ، واللّه لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى اللّه عزّ وجلّ » « 1 » . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 1 إلى 5 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ( 1 ) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( 2 ) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( 3 ) إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً ( 4 ) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ( 5 ) هَلْ أَتى حكى الواحدي عن المفسرين وأهل المعاني أن هل هنا بمعنى قد ، وليس باستفهام لأن الاستفهام محال على اللّه تعالى ، وقد قال بهذا سيبويه والكسائي والفراء وأبو عبيدة ، قال الفراء هَلْ يكون جحدا ويكون خبرا فهذا من الخبر ، لأنك تقول هل أعطيتك تقرره بأنك أعطيته والجحد أن تقول هل يقدر أحد على مثل هذا ، وقيل هي وإن كانت بمعنى قد ففيها معنى الاستفهام ، والأصل أهل أتى ، فالمعنى أقد أتى ، والاستفهام للتقرير والتقريب وبه قال مكي وهو تقرير لمن أنكر البعث أن يقول نعم قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه ، قال السمين : جعلها للاستفهام التقريري لا للاستفهام المحض ، وهذا هو الذي يجب أن يكون لأن الاستفهام لا يرد من اللّه إلا على هذا النحو وما أشبهه انتهى والأول أنسب . عَلَى الْإِنْسانِ المراد بالإنسان هنا آدم قاله قتادة والثوري وعكرمة والسدي وغيرهم وقال ابن عباس كل إنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ أي طائفة محدودة من الزمان الممتد غير المحدود ، فإنه عند الجمهور يقع على مدة العالم جميعها ، وعلى كل زمان طويل غير معين قيل أربعون سنة قبل أن ينفخ فيه الروح ، وهو ملقى بين مكة والطائف ، وقيل إنه خلق من طين أربعين سنة ثم من حمأ مسنون أربعين سنة ثم من صلصال أربعين سنة فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة ثم نفخ فيه الروح ، وقيل الحين المذكور هنا لا يعرف مقداره . وجملة لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً في محل نصب على الحال من الإنسان أو في محل رفع صفة لحين ، قال الفراء وقطرب وثعلب المعنى أنه كان جسدا مصورا ترابا وطينا لا يذكر في السماء ولا في الأرض ولا يعرف ولا يدري ما اسمه ولا ما المراد به ، ثم نفخ فيه الروح فصار مذكورا ، وقال يحيى : لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً في الخلق وإن كان عند اللّه شيئا مذكورا ، وقيل ليس المراد بالذكر هنا الإخبار فإن إخبار الرب
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الزهد باب 9 ، وابن ماجة في الزهد باب 19 ، وأحمد في المسند 5 / 173 .